تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
تشريف لآدم ، فإن كل مخلوق تولى اللّه خلقه
أَسْتَكْبَرْتَ
الآن عن السجود ، استفهام توبيخ
أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ
( 75 ) المتكبرين فتكبرت عن السجود لكونك منهم
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ
شرح
بخلقه عليه السّلام المستدعي لإجلاله وتعظيمه قصدا إلى تأكيد الإنكار وتشديد التوبيخ اه أبو السعود . قوله :أَسْتَكْبَرْتَ( الآن ) المعنى أتركت السجود لاستكبارك الحادث أم لاستكبارك القديم المستمر ، لكن جواب إبليس بقوله :أَنَا خَيْرٌ مِنْهُالخ لا يطابقه ، لأنه أجاب بأنه إنما ترك السجود لكونه خيرا منه وعاليا بالنسبة إليه ، وبين ذلك بأن أصله من النار وأصل آدم من الطين ، والنار أشرف من الطين لأن الأجرام الفلكية أشرف من الأجرام العنصرية ، والنار أقرب العناصر من الفلك والأرض أبعدها منه ، وأيضا النار لطيفة نورانية ، والأرض كثيفة ظلمانية ، واللطافة والنورانية خير من الكثافة والظلمانية اه زاده . قوله أيضا :أَسْتَكْبَرْتَقرأ العامة بهمزة الاستفهام وهو استفهام توبيخ وإنكار وأم متصلة هنا ، هذا قول جمهور النحويين . ونقل ابن عطية عن بعض النحويين أنها لا تكون معادلة للألف مع اختلاف الفعلين ، وإنما تكون معادلة إذا دخلت على فعل واحد كقولك : أقام زيد أم عمرو ، وأزيد قام أم عمرو ، وإذا اختلف الفعلان كهذه الآية فليست معادلة ، وهذا الذي حكاه عن بعض النحويين مذهب فاسد ، بل جمهور النحاة على خلافه ، قال سيبويه : وتقول أضربت زيدا أم قتلته فالابتداء هنا بالفعل أحسن لأنك إنما تسأل عن أحدهما لا تدري أيهما كان ، ولا تسأل عن موضع أحدهما كأنك قلت أي ذلك كان اه . فعادل بها الألف مع اختلاف الفعلين . وقرأ جماعة منهم ابن كثير وليست مشهورة عنه استكبرت بألف الوصل ، فاحتملت وجهين ، أحدهما أن يكون الاستفهام مرادا يدل عليه أم ، واحتمل أن يكون خبرا محضا ، وعلى هذا فأم منقطعة لعدم شرطها اه سمين . قوله : ( استفهام توبيخ ) جواب ما يقال لأي شيء جاء الاستفهام هنا مع علم اللّه تعالى بالمانع من السجود ، وإيضاحه : أن الاستفهام هنا ليس لتحصيل العلم بل للتوبيخ وإظهار معاندته وكفره وكيده اه كرخي . قوله : ( المتكبرين ) أي : قديما . وقوله : ( لكونك منهم ) أي : المتكبرين قديما . قوله :قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُأي : ولو كنت مساويا له في الشرف لكان يقبح أن أسجد له ، فكيف وأنا خير منه ، ثم بين كونه خيرا منه بقوله :خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍأي : والنار أشرف من الطين وأفضل منه ، وأخطأ إبليس في القياس لأن مآل النار إلى الرماد الذي لا ينتفع به ، والطين أصل كل ما هو نام نابت كالإنسان والشجرة ، ومعلوم أن الإنسان والشجرة المثمرة خير من الرماد وأفضل ، وإذا قيل إن النار خير من الطين بخاصية فالطين خير منها وأفضل بخواص ، وذلك مثل رجل شريف نسيب لكنه عار عن كل فضيلة ، فإن نسبه يوجب رجحانه بوجه واحد ، ورجل ليس بنسيب ولكنه فاضل عالم فيكون أفضل من ذلك النسيب بدرجات كثيرة اه خازن .