شرح
التراب ويقولون : انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان ، فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر ، فكان ينقل الحيتان لأصحاب السوق ويعطونه كل يوم سمكتين ، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة ويشوي الأخرى فيأكلها ، فمكث على ذلك أربعين صباحا مدة ما كان يعبد الوثن في داره ، ثم إن آصف وعظماء بني إسرائيل أنكروا حكم عدو اللّه الشيطان في تلك المدة ، فقال آصف : يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيتم ؟ فقالوا : نعم . فلما مضى أربعون صباحا طار الشيطان عن مجلسه ، ثم مرّ بالبحر فقذف الخاتم فيه ، فأخذته سمكة فأخذها بعض الصيادين ، وقد عمل له سليمان صدر يومه ، فلما أمسى أعطاه سمكتيه فباع سليمان أحداهما بأرغفة وبقر بطن الأخرى ليشويها فاستقبله خاتمه في جوفها ، فأخذه وجعله في يده وخرّ للّه ساجدا ، وعكف عليه الطير والجن ، وأقبل الناس عليه ، وعرف أن الذي كان دخل عليه لما كان أحدث في داره ، فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه ، وأمر الشياطين أن يأتوه بصخر المارد فطلبوه حتى أخذوه فأتى به فأدخله جوف صخرة وسد عليه بأخرى ، ثم أوثقها بالحديد والرصاص ، ثم أمر به فقذف في البحر . قال القاضي عياض وغيره من المحققين : لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به وتسلطه على ملكه وتصرفه في أمته بالجور في حكمه ، وأن الشياطين لا يتسلطون على مثل هذا ، وقد عصم اللّه تعالى الأنبياء من مثل هذا ، والذي ذهب إليه المحققون أن سبب فتنته ما أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال سليمان : « لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل اللّه تعالى ، فقال له صاحبه : قل إن شاء اللّه ، فلم يقل إن شاء اللّه فطاف عليهم جميعا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل ، وأيم اللّه الذي نفسي بيده لو قال إن شاء اللّه لجاهدوا في سبيل اللّه فرسانا أجمعون » .
وفي رواية : لأطوفن بمائة امرأة ، فقال الملك : قل إن شاء اللّه ، فلم يقل فنسي . قال العلماء :
والشق هو الجسد الذي ألقي على كرسيه حين عرض عليه وهي عقوبته ومحنته ، لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص وغلب عليه من التمني ، وقيل : نسي أن يستثني ، كما صح في الحديث لينفذ أمر اللّه ومراده فيه . وقيل : إن المراد بالجسد الذي ألقي على كرسيه أنه ولد له ولد فاجتمعت الشياطين ، وقال بعضهم لبعض : إن عاش له ولد لم تنفك من البلاء فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخبله فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب فحمله فكان يريبه في السماء خوفا من الشياطين ، فبينما هو مشتغل في بعض مهماته إذ ألقي ذلك الولد ميتا على كرسيه ، فعاتبه اللّه على خوفه من الشياطين حيث لم يتوكل عليه في ذلك ، فتنبه لخطئه فاستغفر ربه ، فذلك قوله عز وجل :وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداًالخ اه خازن .
وتقدم في الشارح أن سليمان عاش ثلاثا وخمسين سنة ، وأعطي الملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، وذكر العمادي أنه فتن بهذه الفتنة بعد أن مضى له في الملك عشرون سنة ، وعاش بعد عوده عشرين سنة ، فجملة ملكه أربعون سنة اه شيخنا .
وفي القرطبي : فلما توفي سليمان بعث بختنصر ، فأخذ الكرسي فحمله إلى أنطاكية فأراد أن