وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ
( 5 ) أي والمغارب للشمس ، لها كل يوم مشرق ومغرب
إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا
شرح
قوله :رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِالخ بدل من واحد ، أو خبر ثان ، أو خبر مبتدأ محذوف اه سمين .
قوله :وَرَبُّ الْمَشارِقِإعادة الرب فيها لما فيها من غاية ظهور آثار الربوبية وتجددها كل يوم ، فإنها ثلاثمائة وستون مشرقا ، فالشمس تشرق كل يوم من مشرق منها ، وبحسبها اختلفت المغارب فتغرب كل يوم في مغرب اه أبو السعود .
قوله : ( أي والمغارب للشمس ) أشار بهذا إلى أن في الكلام اكتفاء على حد سرابيل تقيكم الحر ، واقتصر على المشارق ولم يعكس لأن شروق الشمس سابق على غروبها ، وأيضا فالشروق أبلغ في النعمة وأكثر نفعا من الغروب ، فذكر المشرق تنبيها على كثرة إحسان اللّه تعالى على عباده ، ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم عليه الصلاة والسّلام بالمشرق فقال :فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ[ البقرة : 285 ] وجمع هنا المشرق وحذف مقابله ، وثناه في الرحمن ، وجمعه في المعارج وأفرده في المزمل مع ذكر مقابله في الثلاثة ، لأن القرآن نزل على المعهود من أساليب كلام العرب وفنونه ، ومنها الإجمال والتفصيل والذكر والحذف والتثنية والجمع والإفراد باعتبارات مختلفة ، فأفرد وأجمل في المزمل أراد مشرق الصيف والشتاء ومغربهما ، وجمع وفصل في المعارج أراد مشارق السنة ومغاربها وهي تزيد على سبعمائة ، وثنى وفصل في الرحمن أراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيها ، وجمع وحذف هنا أراد جميع مشارق السنة ، واقتصر عليه لدلالته على المحذوف كما مرت الإشارة إليه ، وخص ما هنا بالجمع موافقة للمجموع أول السورة وبالحذف مناسبة للزينة إذ هي إنما تكون غالبا بالضياء والنور وهما ينشئان من المشرق لا من المغرب ، وما في الرحمن بالتثنية موافقة للتثنية فييَسْجُدانِ[ الرحمن : 6 ] وفي :فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ[ الرحمن : 25 ] وبذكر المقابلين موافقة لبسط صفاته تعالى وإنعاماته ، ثم وما في المعارج بالجمع موافقة للجمع قبله وبعده وبذكر المقابلين موافقة لكثرة التأكيد في القسم وجوابه ، وما في المزمل بالإفراد موافقة لما قبله من إفراد ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وما بعده من إفراد ذكر اللّه تعالى وبذكر المقابلين موافقة للحصر في قوله :لا إِلهَ إِلَّا هُوَ *ولبسط أوامر اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم اه كرخي .
قوله : ( لها كل يوم مشرق ومغرب ) أي : محل تشرق منه ومحل تغرب فيه . قال السدي :
المشارق ثلاثمائة وستون مشرقا وكذلك المغارب ، فإن قلت : قد قال في موضع آخررَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ[ الرحمن : 17 ] : وقال في موضع آخررَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ[ المزمل : 9 ] فما وجه الجمع بين هذه المواضع ؟ قلت أراد بالمشرق والمغرب الجهة التي تطلع فيها الشمس وتغرب ، وأراد بالمشرقين مشرق الصيف ومشرق الشتاء ، ومغرب الصيف ومغرب الشتاء ، وبالمشارق والمغارب ما تقدم من قول السدي اه خازن .
وعبارة الخطيب : قد خلق اللّه تعالى للشمس ثلاثمائة وستين كوة في المشرق وثلاثمائة وستين كوة في المغرب على عدد أيام السنة ، تطلع الشمس كل يوم من كوة منها وتغرب في كوة منها لا ترجع إلى الكوة التي تطلع منها ذلك اليوم إلا من العام المقبل ، انتهت .