شرح
الهمزة على ما لم يسم فاعله ، والآذن هو اللّه عز وجل ، ومن يجوز أن ترجع إلى الشافعين ، ويجوز أن ترجع إلى المشفوع لهم :حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْقال ابن عباس : جلي عن قلوبهم الفزع ، وقال قطرب : أخرج ما فيها من الخوف ، وقال مجاهد : كشف عن قلوبهم الغطاء يوم القيامة أي : أن الشفاعة لا تكون من هؤلاء المعبودين من دون اللّه من الملائكة والأنبياء والأصنام ، إلا أن اللّه يأذن للملائكة والأنبياء في الشفاعة وهم على غاية الفزع من اللّه كما قال :وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ[ الأنبياء : 28 ] والمعنى أنه إذا أذن في الشفاعة وورد عليهم كلام اللّه فزعوا لما يقترن بتلك الحال من الأمر الهائل والخوف من أن يقع في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصير ، فإذا سري عنهم قالوا للملائكة فوقهم وهم الملائكة الذين يوردون عليهم الوحي بالإذن : ماذا قال ربكم ، أي : ماذا أمر اللّه به ؟ فيقولون لهم : قال الحق وهو أن أذن لكم في الشفاعة للمؤمنين وهو العلي الكبير ، فله أن يحكم في عباده بما يريد ، ثم يجوز أن يكون هذا إذنا لهم في الدنيا في شفاعة أقوام ، ويجوز أن يكون في الآخرة ، وفي الكلام إضمار أي : ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ففزع لما ورد عليه من الإذن مهابة لكلام اللّه عز وجل ، حتى إذا ذهب الفزع عن قلوبهم أجابوا بالانقياد . وقيل : هذا الفزع يكون اليوم للملائكة في كل أمر يأمر به الرب تعالى أي : لا تنفع الشفاعة إلا من الملائكة الذين هم فزعون اليوم مطيعون للّه تعالى دون الجمادات والشياطين . وفي صحيح الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا قضى اللّه في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعا لقوله : ( كأنها سلسلة على صفوان ) فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم قالوا : الحق وهو العلي الكبير » . قال : « والشياطين بعضهم فوق بعض » قال : حديث حسن صحيح .
وقال النواس بن سمعان . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه تعالى إذا أراد أن يوحي بأمر وتكلم بالوحي أخذت السماوات والأرض منه رجفة أو رعدة شديدة خوفا من اللّه تعالى ، فإذا سمع أهل السماوات ذلك صعقوا وخرّوا للّه سجدا ، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه اللّه تعالى ويقول له من وحيه ما أراد ، ثم يمر جبريل بالملائكة كلما مرّ بسماء سأله ملائكتها : ماذا قال ربنا يا جبريل ؟ فيقول جبريل : قال الحق وهو العلي الكبير » قال : « فيقول كلهم كما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي حيث أمر اللّه تعالى » . وذكر البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى :حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْقال : كان لكل قبيلة من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي ، وكان إذا نزل الوحي سمع له صوت كإمرار السلسلة على الصفوان فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا ، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق وهو العلي الكبير ، ثم يقول : يكون في هذا العام كذا ويكون كذا فتسمعه الجن فيخبرون الكهنة ، والكهنة تخبر الناس يكون كذا وكذا فيجدونه كذلك ، فلما بعث اللّه سيدنا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم دحروا ومنعوا بالشهب ، فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك : هلك من في السماء فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا ، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة ، وصاحب الغنم يذبح كل يوم شاة ، حتى أشرعوا في أموالهم فقالت ثقيف وكانت أعقل العرب : أيها الناس أمسكوا على أموالكم فإنه لم يمت من في السماء أما ترون معالمكم من النجوم كما هي والشمس والقمر والليل ، والنهار ، فقال إبليس : لقد حدث في الأرض اليوم حدث فأتوني من كل تربة أرض فأتوه بها ، فلما شم تربة مكة قال : من ههنا جاء الحدث فأنصتوا