تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
أو بالشام نمله صغار أو كبار
قالَتْ نَمْلَةٌ
ملكة النمل وقد رأت جند سليمان
يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ
لا يكسرنكم
سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
( 18 ) نزل النمل منزلة العقلاء في
شرح
ذلك لترتيب الصفوف كما هو المعاد في العساكر ، وفيه اشعار بكمال مسارعتهم إلى السير وتخصيص حبس أوائلهم بالذكر دون سوق أواخرهم مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضا لما أن أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه أوائلهم من السير السريع ، وهذا كله إذا لم يكن سيرهم بتسيير الريح في الجو اه . قوله :حَتَّى إِذا أَتَوْاغاية لمحذوف تقديره فساروا حتى إذا أتوا الخ أي : ساروا مشاة على الأرض وركبانا حتى إذا أتوا على وادي النمل أي : على مكان فيه نمل كثير اه شيخنا . وفي السمين :حَتَّى إِذا أَتَوْافي المغيّى بحتى وجهان ، أحدهما : هو يوزعون لأنه مضمن معنى فهم يسيرون ممنوعا بعضهم من مفارقة بعض حتى إذا أتوا . والثاني : أنه محذوف أي : فساروا حتى إذا أتوا ، وتقدم الكلام في حتى الداخلة على إذا هل هي حرف ابتداء أو حرف جر اه . قوله : ( نمله صغار ) أي : نمل هذا الوادي صغار وهو النمل المعروف ، أو كبار أي كالبخاتي أو كالذباب ، والقول الأول هو المشهور اه شيخنا . قوله :قالَتْ نَمْلَةٌأي : قالت قولا مشتملا على حروف وأصوات ، والمراد قالته على وجه النصيحة يا أيها النمل الخ . وقد اشتمل هذا القول منها على أحد عشر نوعا من البلاغة ، أولها : النداء بيا ، وثانيها : كنت بأي ، وثالثها : نبهت بهاء التنبيه ، ورابعها : سمت بقولها النمل ، وخامسها : أمرت بقولها ادخلوا ، وسادسها : نصت بقولها مساكنكم ، وسابعها : حذرت بقولها لا يحطمنكم ، وثامنها : خصصت بقولها سليمان ، وتاسعها : عممت بقولها وجنوده ، وعاشرها : أشارت بقولها وهم ، وحادي عشرها : عذرت بقولها لا يشعرون اه شيخنا نقلا عن السيوطي في الإتقان . قوله : ( ملكة النمل ) وكانت عرجاء ذات جناحين وهي الحيوانات التي تدخل الجنة اه شيخنا . وفي القرطبي : قال الثعلبي : كان للنملة جناحان فصارت من الطير فلذلك علم منطقها ولولا ذلك ما علمه . قال أبو إسحاق الثعلبي : ورأيت في بعض الكتب أن سليمان قال لها : لم حذرت النمل أخفت من ظلمي ، أما علمت أني نبي عدل ، فلم قلت :لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ ؟فقالت النملة : أما سمعت قولي :وَهُمْ لا يَشْعُرُونَمع أني لم أرد حطم النفوس ، وإنما أردت حطم القلوب خشية أن يتمنين مثل ما أعطيت ويفتتن بالدنيا ويشتغلن بالنظر إلى ملكك عن التسبيح والذكر ، فلما تكلمت مع سليمان مضت مسرعة إلى قومها فقالت : هل عنكم من شيء نهديه إلى نبي اللّه ؟ قالوا : وما قدر ما نهدي له واللّه ما عندنا إلا نبقة واحدة . قالت : حسنة ائتوني بها فأتوها بها فحملتها بفيها وانطلقت تجرها ، وأمر اللّه الريح فحملتها وأقبلت تشق الجن والإنس والعلماء والأنبياء على البساط حتى وقفت بين يديه ، فوضعت تلك النبقة من فيها في فيه وأنشأت تقول :أم ترنا نهدي إلى اللّه ماله * وإن كان عنه ذا غنى فهو قابلهولو كان يهدى للجليل بقدره * لأقصر عنه البحر يوما وساحلهولكننا نهدي إلى من نحبه * فيرضى بها عنا ويشكر فاعله
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 428 | إبراهيم شمس الدين / سليمان بن عمر العجيلي الشافعي