وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ
( 56 ) متيقظون وفي قراءة حاذرون مستعدون ، قال تعالى
فَأَخْرَجْناهُمْ
أي فرعون وقومه من مصر ليلحقوا موسى وقومه
مِنْ جَنَّاتٍ
بساتين كانت على جانبي النيل
شرح
قوله :وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَأي : وإنا لجمع من عادتنا الحذر واستعمال الحزم في الأمور أشار أولا إلى عدم ما يمنع اتباعهم من شوكتهم ثم إلى تحقق ما يدعو إليه من فرط عداوتهم ووجوب التيقظ في شأنهم حثا عليه أو اعتذر بذلك إلى أهل المدائن كي لا يظن به ما يكسر سلطانه اه بيضاوي .
قوله :لَجَمِيعٌأي : جماعة فليست هذه الكلمة من ألفاظ التوكيد حتى يرد عليه أنها لا تستعمل إلا تابعة بل هي بمعنى جماعة كما علمت اه شيخنا .
قوله : ( وفي قراءة ( ؟ حاذرون ) ) قال أبو عبيدة : هما بمعنى واحد يقال : رجل حذر وحاذر بمعنى ، وقيل : بل بينهما فرق فالحذر المتيقظ والحاذر الخائف ، وقيل : الحذر المخلوق مجبولا على الحذر الحاذر ما عرض فيه ذلك اه سمين .
وفي المصباح : حذر حذرا من باب تعب واحتذر واحتذر كلها بمعنى استعد وتأهب فهو حاذر وحذر ، والاسم منه الحذر مثل حمل ، وحذر الشيء إذا خافه فالشيء محذور أي : مخوف وحذرته الشيء فحذره اه .
قوله :فَأَخْرَجْناهُمْأي : خلقنا فيهم داعية الخروج فخرجوا اه .
قوله : ( كانت على جانبي النيل ) أي : من أسوان إلى رشيد . وفي القرطبي : قال كعب الأحبار :
أربعة أنهار من الجنة وضعها اللّه في الدنيا سيحان وجيحان والنيل والفرات . فسيحان نهر الماء في الجنة ، وجيحان نهر اللبن في الجنة ، والنيل نهر العسل في الجنة ، والفرات نهر الخمر في الجنة . وقال ابن لهيعة : الدجلة نهر اللبن في الجنة ، وقال قيس بن حجاج : لما فتحت مصر أتى أهلها إلى سيدنا عمرو بن العاص حين دخل بؤنة من أشهر القبط فقالوا له : أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة وعادة لا يجري إلا بها ، فقال لهم : وما ذاك ؟ فقالوا : إذا كان لاثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها أرضينا أبويها وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ، ثم ألقيناها في هذا النيل ، فقال لهم عمرو : هذا لا يكون في الإسلام وإن الإسلام ليهدم ما قبله فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى لا يجري قليلا ولا كثيرا وهموا بالجلاء ، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص كتب إلى أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه فأعلمه بالقصة ، فكتب إليه عمر بن الخطاب إنك قد أصبت بالذي فعلت وإن الإسلام يهدم ما قبله ولا يكون هذا ، وبعث إليه ببطاقة في داخل كتابه ، وكتب : إلى عمرو إني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي فألقها في النيل إذا أتاك كتابي . فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها ، فإذا فيها من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد ؛ فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر ، وإن كان اللّه الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل اللّه الواحد القهار أن يجريك ، قال :
فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم ، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها لأنهم لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل . فلما ألقى البطاقة في النيل أصبحوا يوم الصليب وقد أجراه اللّه تبارك وتعالى في ليلة واحدة ستة عشر ذراعا ، وقطع اللّه تلك السيرة من أهل مصر من تلك السنة ، وكانت أرض مصر