إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً
غليانا كالغضبان إذا غلى صدره من الغضب
وَزَفِيراً
( 12 )
شرح
توبيخهم بحكاية جنايتهم الأخرى للتخلص إلى بيان ما لهم في الآخرة من فنون العذاب اه أبو السعود .
قوله :وَأَعْتَدْناأي : هيأنا وخلقنا فالنار موجودة اليوم لهذه الآية ، كما أن الجنة كذلك لقوله تعالى :أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ[ آل عمران : 133 ] وعبارة أبي السعود أي : هيأنا لهم نارا عظيمة شديدة الاشتعال شأنها كيت وكيت بسبب تكذيبهم على ما يشعر به وضع الموصول موضع ضميرهم ، ووضع الساعة موضع ضميرها للمبالغة في التشنيع وإعداد السعير لهم ، وإن لم يكن لخصوص تكذيبهم بالساعة بل لأي تكذيب بشيء من الشريعة ، لكن الساعة لما كانت هي العلة القريبة لدخولهم السعير اقتصر على ترتيب الإعداد على التكذيب بها اه .
قوله : ( نارا مسعرة ) بالتشديد والتخفيف ، ففي المصباح : وسعرت النار سعرا من باب نفع ، وأسعرتها إسعارا أوقدتها فاستعرت اه .
وفي المختار : سعر النار والحرب هيجها وألهبها وبابه قطع ، وقرىءوَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ[ التكوير : 12 ] مخففا ومشددا والتشديد للمبالغة ، واستعرت النار وتسعرت توقدت والسعير النار .
وقوله تعالى :إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ[ القمر : 47 ] قال الفراء : في عناء وعذاب ، والسعر أيضا : الجنون اه .
قوله :إِذا رَأَتْهُمْأي : رؤية حقيقية بعينها كما جاء في حديث : إن لها عينين ولا مانع منه ، والجملة الشرطية صفة اه شيخنا .
ولما لم تكن الحياة مشروطة بالبنية الحيوانية أمكن أن يخلق اللّه فيها الحياة فترى وتتغيظ وتزفر ، وقيل : إن ذلك لزبانيتها ونسب إليها على حذف المضاف اه .
قوله أيضا :إِذا رَأَتْهُمْالخ ظاهره إثابت الرؤية لها ، وفي البيضاوي ما يقتضي أن في العبارة قلبا حيث قال : إذا كانت بمرأى منهم اه .
وفي زكريا عليه ما نصه : قوله : إذا كانت بمرأى منهم أوله بما ذكر لأنها تتصف بالرؤية ، وهذا التأويل للمعتزلة بناء منهم على أن الرؤية مشروطة بالحياة خلافا للأشاعرة ، فإنهم يجوزون رؤيتها حقيقة كتغيظها وزفيرها ، كما أشار إليه بقوله : هذا وإن الحياة الخ اه .
وعبارة الخازن : فإن قلت : كيف تتصور الرؤية من النار في قوله تعالى :إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ؟قلت : يجوز أن يخلق اللّه تعالى لها حياة وعقلا ورؤية ، وقيل : معناه رأتهم زبانيتها اه .
قوله :مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍقيل : مسيرة سنة ، وقيل : مائة سنة ، وقيل : خمسمائة سنة اه شيخنا .
وفي القرطبي : إذا رأتهم من مكان بعيد أي : من مسيرة خمسمائة عام سمعوا لها تغيظا وزفيرا قيل : المعنى إذا رأتهم جهنم سمعوا لها صوت التغيظ عليهم ، وقيل : المعنى إذا رأتهم خزانها سمعوا لها تغيظا وزفيرا حرصا على عذابهم . والأول أصح لما روي مرفوعا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من كذب