تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
شرح
يخرجه أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع أسانيده وكذا قول عياض أيضا . ومن حكيت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صحابي ، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية فهذا مردودا أيضا . قال القاضي عياض : وقد بيّن البزار أن الحديث لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلّا من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله . وأما الكلبي : فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه ، ثم رده من طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم قال : ولم ينقل ذلك اه . قال الحافظ ابن حجر : وجميع ذلك لا يتمشين على قواعد المحدثين : فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلّ ذلك على أن لها أصلا ، وقد ذكرنا أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل ، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض ، وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر وهو قوله : ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وأن شفاعتهن لترتجى ، فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس فيه ، وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته . وقد سلك العلماء في ذلك التأويل مسالك نحو السبعة فقيل : جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة من النوم وهو لا يشعر ، فلما أعلمه اللّه بذلك أحكم آياته . وهذا أخرجه الطبري عن قتادة ، ورده القاضي بأنه لا يصح لكونه لا يجوز على النبي ذلك ولا ولاية للشيطان عليه في النوم . وقيل : إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره ، ورده ابن العربي بقوله تعالى حكاية عن الشيطان :وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ[ إبراهيم : 22 ] الآية . قال : فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة على طاعة . وقيل : إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوها بذلك ، فعلق ذلك بحفظه صلّى اللّه عليه وسلّم فجرى على لسانه سهوا ، وقد ردّ ذلك القاضي عياض فأجاد ، وقيل : لعله قال ذلك توبيخا للكفار . قال القاضي عياض : وهذا جائز إذا كان هناك قرينة تدل على المراد ، ولا سيما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائزا ، وإلى هذا نحا الباقلاني . وقيل : إنه لما وصل إلى قوله :وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى[ النجم : 19 ] الآية . خشي المشركون أن يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به كعادته إذا ذكرها فبادروا إلى ذلك الكلام فخلطوه في تلاوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على عادتهم في قولهم :لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ[ فصلت : 26 ] أي : أظهروا اللغو برفع الأصوات تخليطا وتشويشا عليه ، ونسب ذلك للشيطان لكونه الحامل لهم عليه ، أو المراد بالشيطان شيطان الإنس ، وقيل : المراد بالغرانيق العلا الملائكة ، وكان الكفار يقولون : الملائكة بنات اللّه ويعبدونها فنسق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله :أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى[ النجم : 21 ] فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع وقالوا : قد عظم آلهتنا ورضوا بذلك ، فنسخ تينك الكلمتين وهما قوله : ( تلك الغرانيق العلا ) وإن شفاعتهن لترتجى وأحكم آياته . وقيل : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يرتل القرآن فترصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا بصوت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بحيث سمعه من دنا إليه ، فظنها من قول النبي وأشاعها . قال القاضي عياض : وهذا أحسن الوجوه وهو الذي يظهر ترجيحه ، ويؤيده ما روي عن ابن عباس في تفسير تمنى بتلا ، وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل قالوا معنى قوله :فِي أُمْنِيَّتِهِأي في تلاوته ، فأخبر تعالى في هذه الآية أن سنة اللّه في رسله إذا قالوا
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 209 | إبراهيم شمس الدين / سليمان بن عمر العجيلي الشافعي