أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا
أي القرآن وهو عيينة بن حصن وأصحابه
وَاتَّبَعَ هَواهُ
في الشرك
وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً
( 28 ) إسرافا
وَقُلِ
له ولأصحابه هذا القرآن
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
شرح
جواب ما يقال حق الكلام لا تعد عينيك بالنصب ، لأن تعد متعد بنفسك والتلاوة بالرفع فما وجهه ؟
وإيضاحه : أن التلاوة تؤول إلى معنى النصب إذا كان لا تعد عيناك عنهم بمنزلة لا تنصرف عيناك عنهم ، ومعنى لا تنصرف عيناك عنهم لا تصرف عينيك عنهم ، فالفعل مسند إلى العينين ، وهو في الحقيقة متوجه لصاحبهما ، وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقوله :تُرِيدُمضارع في موضع الحال ، وهو نهي له صلّى اللّه عليه وسلّم وإن لم يرده ، وليس هو بأكبر من قوله تعالى :لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ[ الزمر : 65 ] الخ وإن كان أعاذه من الشرك ، وإنما هو على فرض المحال اه كرخي .
قوله :عَنْهُمْأي إلى غيرهم اه خازن .
وقوله :تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا .أي : تطلب مجالسة الأغنياء والاشراف وصحبة أهل الدنيا ، والجملة حال من الكاف والشرط موجود ، وهو أن المضاف جزء من المضاف إليه اه .
قوله : ( هو عيينة بن حصن ) أي : الفزاري أتى النبي قبل أن يسلم وعنده جماعة من الفقراء منهم سلمان وعليه شملة صوف قد عرق فيها وبيده خوص يشقه وينسجه ، فقال عيينة للنبي : أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات مضر وأشرافها ، إن أسلمنا تسلم الناس وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء ، فنحهم عنك حتى نتبعك أو اجعل لنا مجلسا ولهم مجلسا اه خازن .
وتقدم أن هذه الآية مدنية ، فالمراد من الآية نهي النبي أن يزدري بفقراء المسلمين وتعدو عينه عن رثاثة زيهم طموحا إلى طراوة زي الأغنياء اه بيضاوي .
وقيل : نزلت هذه الآية في أصحاب الصفة ، وكانوا سبعمائة رجل فقراء في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يخرجون إلى تجارة ولا زرع ولا ضرع يصلون صلاة وينتظرون أخرى ، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحمد للّه الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم » اه خازن .
قوله أيضا : ( هو عيينة بن حصن ) وقد أسلم رضي اللّه عنه وحسن إسلامه وكان في حنين من المؤلفة قلوبهم ، فأعطاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منها مائة بعير ، وكذلك أعطى الأقرع بن حابس ، وأعطى العباس بن مرداس أربعين بعيرا فحصل منه في عتاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما هو مشهور اه شيخنا .
قوله :فُرُطاًيحتمل أن يكون وصفا على فعل ، كقولهم : فرس فرط أي متقدم على الخيل ، وكذلك هذا أي متقدما على الحق ، وأن يكون مصدرا بمعنى التفريط أو الإفراط . قال ابن عطية : الفرط يحتمل أن يكون بمعنى التفريط والتضييع الذي يجب أن يلزم ، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف اه سمين .
والظاهر أنه مصدر أفرط كما في المختار ، وعبارته : وأفرط في الأمر جاوز فيه الحد اه .
وعليه فيكون مصدرا سماعيا لا قياسيا . وفي المختار أيضا : وأمر فرط بضمتين أي مجاوز فيه الحد ومنه قوله تعالى :وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاًاه .