تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
شرح
الإلجاء ، فيرجع إلى القدرة على المنع ، وقيل نفس المنع فمن قهره جمعه بين الطبائع المتنافرة وإسكان الروح اللطيف النوراني في البدن الكثيف المظلم ، ومن قهره تسخير الأفلاك الدائرة وجمع الخلائق في مشيئته ، ومنع العقول من الوصول إلى كنه حقيقته ، ولا يحيطون به علما ، ومعناه الذي يقصم ظهور الجبابرة فيقهرهم بالإماتة والإذلال والإهلاك ، فهو من أسماء الأفعال ، وقيل : هو الذي قهر قلوب الطالبين فآنسها بلطف مشاهدته . وقيل : هو الغالب جميع الخلائق ، وحظ العبد منه قهر النفس الأمارة بالسوء والإضرار بالقوى الشهوانية والغضبية ، وتضييق مجاري الشيطان بالصوم قال تعالى :وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[ العنكبوت : 69 ] الآية . ( الوهاب ) مبالغة في الواهب ، فمعناه كثير النعم دائم العطاء ، والهبة هي العطية الخالية عن العوض والغرض ، فإذا كثرت سمي صاحبها وهابا ، ولا تكون حقيقة إلا منه تعالى ، إذ لا مالك في الحقيقة إلا هو . وقيل : هو من يكون جزيل العطايا ، والنوال كثير المن والإفضال كثير اللطف والإقبال يعطي من غير سؤال ولا يقطع نواله عن العبد بحال ، وقيل : هو الذي يعطيك وينعم عليك بلا سبب وحيلة . وحظ العبد منه التشبه بأبي بكر الصديق رضي اللّه عنه حيث قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أبقيت لأهلك ؟ » فقال : اللّه ورسوله . وقال بعض العارفين مما جربت استجابته أن يقول : اللهم هب لي من رحمتك ما لا يمسكه أحد غيرك ست مرات . ( الرزاق ) هو مبالغة في الرازق ، ومعناه الذي خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إليهم وخلق لهم أسباب التمتع بها ، وقيل : الذي يرزق من يشاء من عباده القناعة ويصرف دواعيهم عن ظلمة المعصية إلى نور الطاعة والرزق على قسمين : ظاهر وهو الأقوات والأطعمة وذلك للظواهر وهي الأبدان ، وباطن وهي المعارف والمكاشفات ، وذلك للقلوب والأسرار ، وهذا أشرف الرازقين فإن ثمرته حياة الأبد وثمرة الرزق الظاهر قوة الجسد إلى مدة قريبة الأمد ، واللّه تعالى هو المتولي لخلق الرازقين والمتفضل بإيصالها إلى العباد ، ولكنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر . قال أصحابنا رحمهم اللّه تعالى : اسم الرزق لا يختص بالمأكول والمشروب ، بل كل ما انتفع به الحيوان من مأكول ومشروب وملبوس وغيرها ، فهو رزقه ، ومن أعظم الرزق التوفيق للطاعات . وحظ العبد منه أن يتيقن أنه لا رزاق سواه ، وأن يقطع مطامعه عن جميع عباده بالثقة بموعوده ، ويكف استشرافه إلى جميع خلقه بالرضا بمقدوره ، واعلم أنه تعالى يوصل الرزق إلى جميع مخلوقاته ، وأن أسباب سعة الرزق كثرة الصلاة لقوله تعالى :وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى[ طه : 132 ] والصلاة والسّلام على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن من آداب العبودية أن يرجع العبد إلى ربه في طلب كل ما يريده من جليل وحقير . وعن علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه أنه قال : أمر الرزق بطلبك وأمرت بطلب الجنة فطلبت ما أمر بطلبك وتركت ما أمرت بطلبه . ( الفتاح ) مبالغة في الفاتح ، ومعناه الذي يفتح خزائن الرحمة على أصناف البرية ، وقيل : هو الحاكم بين الخلائق من الفتح بمعنى الحكم ، قال تعالى :رَبَّنَا افْتَحْ[ الأعراف : 89 ] أي احكم . وقيل : هو الذي يعينك عند الشدائد وينيلك صنوف العوائد ، وقيل : هو الذي فتح على النفوس باب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 365 | إبراهيم شمس الدين / سليمان بن عمر العجيلي الشافعي