تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
شرح
بالغيوب ، وقيل غير ذلك وحظ العبد من هذه الأسماء الثلاثة أن يلاحظ من اللّه تعالى قدرته ، ومن الرحمن نعمته ، ومن الرحيم عصمته ومغفرته ، وقيل غير ذلك . فإن قلت : هو تعالى موصوف بأنه رحمن ورحيم وأرحم الراحمين ، ومن شأن من هو متصف بذلك أن لا يرى مبتلى أو معذبا أو مريضا وهو يقدر على إزالة ما به إلا ويبادر إليها ، وهو تعالى لم يفعل ذلك ، لأن المشاهد أن الدنيا طافحة بالأمراض ونحوها على عباده ، ولم يزالوا مبتلين بالرزايا والمحن ، مع أنه قادر على إزالة كل بلية . قلت : أجيب بأن عدم إزالته تعالى ذلك عمن ذكر ليس لعدم شفقته ورحمته عليهم ، بل فعله ذلك بهم هو الشفقة والرحمة عليهم ، كما أن الطفل الصغير قد ترق له أمه فتمنعه عن الحجامة مثلا مع كونه محتاجا إليها ، والأب العاقل يحمله عليها قهرا ، والجاهل يظن أن الرحيم هي الأم دون الأب ، والعاقل يعلم أن إيلام الأب إياه بالحجامة مثلا من كمال رحمته وعطفه وتمام شفقته عليه ، وأن الأم عدو له في صورة صديق ، وأن الألم القليل إذا كان سببا للذة الكثيرة لم يكن شرا بل خيرا ، والرحيم يريد الخير للمرحوم لا محالة ، وليس في الوجود شر إلّا وفي ضمنه خير لو رفع ذلك الشر لبطل الذي هو في ضمنه ، ولحصل ببطلانه شر أعظم من الشر الذي هو في ضمنه ، فاليد المتأكلة مثلا قطعها شر في الظاهر وفي ضمنها الخير الجزيل وهو سلامة البدن ، ولو ترك قطع اليد لحصل بسببه هلاك البدن ، ولكان الشر أعظم . ( الملك ) هو بكسر اللام الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود ، ويحتاج إليه كل موجود وقيل : من ملك نفوس العابدين فأقلقها ، وملك قلوب العارفين فأحرقها ، وقيل : من إذا شاء ملك وإذا شاء أهلك ، وقيل غير ذلك . وحظ العبد منه ما قيل من لاحظ الملك فني عن المملكة فالأعراض لا تشغله والشواهد لا تقطعه والعوائد لا تحجبه . ( القدوس ) وهو على وزن فعول بالضم من أبنية المبالغة وقد تفتح القاف وليس بالكثير ، وهو من القدس بضم الدال وإسكانها الطهارة والنزاهة ، والطهارة في حقه تعالى النزاهة عن سمات النقص وموجبات الحدوث ، وسميت الأرض المقدسة لطهارتها عن أوضار الشرك أي أوساخه ، وقيل : القدوس من تقدس عن الحاجات ذاته وتنزه عن الآفات صفاته وحظ العبد منه التنزه عما يشينه في أمر دنياه وأخراه . قوله : ( السّلام ) قيل : هو الذي سلمت ذاته عن الحدوث والعيب ، وصفاته عن النقص وأفعاله عن الشر المحض فيرجع معناه إلى التنزيه ويباين القدوس باشتمال القدوس على مبالغة ، وقيل : معناه المسلم على عباده فيرجع إلى القدرة أو إلى أسماء الأفعال ، وقيل غير ذلك . وحظ العبد منه بالمعنى الأول أن ينزه نفسه عن كل لهو ، ولسانه عن كل لغو ، وقلبه عن كل غير ويأتي ربه بقلب سليم ، وبالمعنى الثاني افشاء السّلام ، وبالمعنى الثالث دفع المضار عن الناس . ( المؤمن ) معناه في حقه تعالى تصديقه نفسه وكتبه ورسله ، فيرجع معناه إلى الكلام القديم ، وقيل : انه مأخوذ من الأمن وهو المؤمن عباده من المخاوف ، فيرجع إلى القدرة أو صفات الأفعال ، وقيل غير ذلك . وحظ العبد منه بالمعنى الأول تحقيق اتصافه بحقائق الإيمان وبالمعنى الثاني أن يأمن
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 362 | إبراهيم شمس الدين / سليمان بن عمر العجيلي الشافعي