تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
قالَ
لهما مخبرا أنه عالم بتعبير الرؤيا
لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ
في منامكما
إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ
في اليقظة
قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما
تأويله
ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي
فيه حث على إيمانهم ثم قواه
شرح
والإحسان هنا بمعنى العلم ، وسئل الضحاك ما كان إحسانه ؟ فقال : كان إذا مرض إنسان في الحبس عاده وقام عليه ، وإذا ضيق على أحد وسع عليه ، وإذا احتاج أحد جمع له شيئا ، وكان مع هذا يجتهد في العبادة ويصوم النهار ويقوم الليل كله للصلاة . وقيل : إنه لما دخل السجن وجد فيه قوما اشتد بلاؤهم وانقطع رجاؤهم وطال حزنهم ، فجعل يسليهم ويقول : اصبروا وأبشروا . فقالوا : بارك اللّه فيك يا فتى ما أحسن وجهك وخلقك وحديثك لقد بورك لنا في جوارك ، فمن أين أنت ؟ قال : أنا يوسف ابن صفي اللّه يعقوب ابن ذبيح اللّه إسحاق ابن خليل اللّه إبراهيم فقال له صاحب السجن : يا فتى واللّه لو استطعت لخليت سبيلك ، ولكن سأرفق بك وأحسن جوارك واختر أي بيوت السجن شئت . وقيل : إن الفتيين لما رأيا يوسف قالا : إنا قد أحببناك منذ رأيناك ، فقال لهما يوسف : أنشدكما باللّه لا تحباني فو اللّه ما أحبني أحد قط إلا دخل عليّ من حبه بلاء ، لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ من ذلك بلاء ، وأحبني أبي فألقيت في الجب ، وأحبتني امرأة العزيز فحبست . ولما قصا عليه الرؤيا كره أن يعبرها لهما حين سألاه لما علم ما فيها من المكروه لأحدهما ، فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره من إظهار المعجزة والنبوة والدعاء إلى التوحيد ، لأنه علم أن أحدهما هالك ، فأراد أن يدخله في الإسلام فبدأ بإظهار المعجزة لهذا السبب ، فقال : لا يأتيكما طعام الخ اه خازن . وقصة عمته سيأتي بسطها عند قوله :قالُوا إِنْ يَسْرِقْالخ . قوله : ( مخبرا أنه عالم الخ ) أي لأجل أن يقبلوا عليه ويؤمنوا به أي : وأخبرهما بما ذكر توطئة لدعائهما إلى الإيمان بقوله :لا يَأْتِيكُما طَعامٌالخ ، وليس هو تعبير الرؤيا ، وإنما تعبيرها هو قوله الآتي :يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُماالخ اه . قوله :لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِحمله هذا المفسر على أن المراد إتيانه في المنام ، والمعنى أي طعام رأيتماه في المنام وأخبرتماني به فسرته لكما قبل أن يقع في الخارج طبق وقوعه ، وعلى هذا فلعله خص رؤية الطعام دون غيرها ، لأنهما من أهل الطعام والشراب ، وغالب رؤياهما تتعلق بهما ، وجرى غيره على أن المراد إتيان الطعام لهما في اليقظة ، فعلى هذا يكون هذا وعدا بأن يخبرهما بعلم الغيب عن كل طعام أتاهما قبل إتيانه من باب الكشف بنور النبوة ، لأجل أن يعتقدا صدقه فيمتثلا قوله ودعاء لهما إلى الإسلام ، هذا هو مقصوده بها الوعد . وفي الخازن ما نصه : قال :لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِقيل أراد به في النوم يقول لا يأتيكما طعام ترزقانه في نومكما إلا أخبرتكما خبره في اليقظة . وقيل : أراد به في اليقظة يقول لا يأتيكما طعام ترزقانه من منازلكما يعني تطعمانه وتأكلانه إلا نبأتكما بتأويله بقدره وكيفيته والوقت الذي يصل إليكما فيه قبل أن يأتيكما يعني قبل أن يصل إليكما وأي الطعام أكلتم وكم أكلتم ومتى أكلتم وهذا مثل معجزة عيسى عليه السّلام حيث قال وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم فقالا ليوسف : هذا من علم العرافين والكهنة ، فمن أين لك هذا العلم ؟ فقال لهما : ما أنا بكاهن ولا عرّاف ، وإنما ذلك إشارة إلى المعجزة والعمل الذي أخبرهما به اه . قوله :ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّييعني أن هذا الذي أخبرتكما به وحي من اللّه أوحاه إليّ وعلم علمنيه اه خازن .