الرُّوحِ
الذي يحيا به البدن
قُلِ
لهم
الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
أي علمه لا تعلمونه
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ
شرح
فإنهم أهل كتاب فبعثوا جماعة إليهم ، فقالت اليهود : سلوه عن ثلاثة أشياء فإن أجاب عن كلها أو لم يجب عن شيء منها فليس بنبي ، وإن أجاب عن اثنين ولم يجب عن واحد فهو نبي فاسألوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول ما كان أمرهم ، فإنه كان لهم حديث عجيب ، وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها ما خبره ، وعن الروح فسألوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « أخبركم بما سألتم غدا » ولم يقل إن شاء اللّه . قال مجاهد : فلبث الوحي اثني عشر يوما . وقيل : خمسة عشر يوما . وقيل : أربعين يوما ، وأهل مكة يقولون وعدنا محمد غدا . وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء حتى حزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكث الوحي وشق عليه ما يقوله أهل مكة ، ثم نزل جبريل عليه الصلاة والسّلام بقوله تعالى :وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ[ الكهف : 23 ] ونزل في الفتيةأَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ[ الكهف : 9 ] الآيات ونزل فيمن بلغ المشرق والمغربوَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً[ الكهف : 83 ] الآيات ونزل في الروح قوله تعالىوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّيالآية اه .
وفي أبي السعود : فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة اه .
قوله :عَنِ الرُّوحِالظاهر أن السؤال كان عن حقيقة الروح الذي هو مدبر للبدن الإنساني ومبدأ حياته قل الروح أظهر في مقام الإضمار اظهارا لكمال الاعتناء بشأنه من أمر ربي كلمة من بيانية ، والأمر بمعنى الشأن والإضافة للاختصاص العلمي لا الإيجادي لاشتراك الكل فيه ، وفيها من تشريف المضاف ما لا يخفى ، كما في الإضافة الثانية من تشريف المضاف إليه اه أبو السعود .
قوله : ( الذي يحيا به البدن ) أي بنفخه فيه . قوله :مِنْ أَمْرِ رَبِّيأي أنه مما استأثر اللّه تعالى بعلمه وهو الأصح ، ومعناه أنه موجود محدث بأمره تعالى بلا مادة ، فهو مثل قول موسى :رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ *في جواب قول فرعون وما رب العالمين . والحاصل : أنه اقتصر في الجواب على قوله :قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّيكما اقتصر موسى في جواب فرعون : وما رب العالمين على ذكر صفاته ، وأن إدراكه بالكنه على ما هو عليه لا يعلمه إلا اللّه تعالى ، وأنه شيء بمفارقته يموت الإنسان وبملازمته له يبقى كما أومأ إليه قوله تعالى :وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًاعلى أن المفسرين قد اختلفوا في الروح في الآية ، فعن ابن عباس أنه جبريل ، وعنه رواية أنه جند من جنود اللّه لهم أيد وأرجل ، وعن الحسن القرآن ، وعن علي ملك له سبعون ألف وجه ، ولكل وجه سبعون ألف لسان يسبح اللّه تعالى بجميع ذلك فيخلق اللّه تعالى بكل تسبحة ملكا ، وقيل عيسى ، وعن عطية روح الحيوان وهو روح الآدميين والملائكة والشياطين واللّه أعلم . اه كرخي .
قوله :وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًاأي قليلا لا يمكن تعلقه بأمثال ذلك اه أبو السعود .
وهذا من جملة مقولة صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهو من جملة جوابهم ، فالخطاب خاص باليهود ، لأنهم كانوا يقولون أوتينا التوراة ، وفيها العلم الكثير فقيل لهم : إن علم التوراة قليل في جنب علم اللّه تعالى ، وقيل :
الخطاب عام لجميع الخلق ومن جملتها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اه من الخازن .