تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
فأخبرته فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت . رواه الشيخان واللفظ لمسلم . وروى الحاكم في المستدرك عن ابن
شرح
[ هود : 114 ] وقد جاء في الحديث : إنما تركها من جراي أي من أجلي وإن همّ بها فعملها كتبت سيئة واحدة . زاد أحمد ولم تضاعف ، ويدل له فلا يجزى إلا مثلها ، ثم قوله : ( وإن همّ بها فعملها الخ ) فيه دليل على أن الهم لا يكتب معها إذا فعلها لا يؤاخذ به العبد وتناقص في هذه المسألة كلام السبكي ، فتارة أفتى بأنه لا يكتب به شيء ، وتارة أفتى بأنه يكتب به سيئة أخرى . قال السبكي في حلبياته ما حاصله : ما يقع في النفس من قصد المعصية على خمس مراتب ، الأولى الهاجس وهو ما يلقى فيها ثم جريانه فيها وهو الخاطر ، ثم حديث النفس وهو ما يقع فيها من التردد هل يفعل أو لا ، ثم الهم وهو ترجيح قصد الفعل ، ثم العزم وهو قوة ذلك القصد والجزم به ، فالهاجس لا يؤاخذ به إجماعا لأنه ليس من فعله ، وإنما هو شيء طرقه قهرا عليه ، وما بعده من الخاطر وحديث النفس ، وإن قدر على دفعهما لكنهما مرفوعان بالحديث الصحيح أي : وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إن اللّه تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلم به » أي في المعاصي القولية أو تعمل أي في المعاصي الفعلية ، لأن حديثها إذا ارتفع فما قبله أولى . وهذه المراتب الثلاث لا أجر فيها في الحسنات أيضا لعدم القصد ، وأما الهم فقد بين الحديث الصحيح أنه بالحسنة يكتب حسنة وبالسيئة لا يكتب ، ثم ينظر فإن تركها للّه كتبت حسنة ، وإن فعلها كتبت سيئة واحدة ، والأصح في معناه أن يكتب عليه الفعل وحده وهو معنى قوله : ( واحدة ) وإن الهم مرفوع اه . والأصح الذي ذكره خالفه في شرح المنهاج فظهر له المؤاخذة بالهم زيادة على المؤاخذة بالفعل ، ثم قال في الحلبيات : وأما العزم فالمحققون على أنه يؤاخذ به سواء عمل أو لم يعمل ، وخالف بعضهم فقال : إنه من الهم المرفوع ، واحتج الأولون بحديث : « إذ التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار » قيل : يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : « لأنه كان حريصا على قتل صاحبه » فعلل بالحرص وبالإجماع على المؤاخذة بأعمال القلوب كالحسد والكبر والعجب ومحبة ما يبغض اللّه تعالى وعكسه ونحو ذلك ، والعزم على الكبيرة وإن كان سيئة فهو دون الكبيرة المعزوم عليها انتهت ملخصة . ومنها تعلم أن قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الرواية التي رواها السيوطي عن أنس لم تكتب . معناه لم تكتب سيئة فلا ينافي أنها تكتب حسنة إذا تركها لوجه اللّه تعالى ، كما تقدم في رواية النووي التي شرح عليها ابن حجر . قوله : ( استحييت ) بياءين تحتيتين بعد الحاء المهملة . قوله : ( رواه الشيخان ) أي رويا حديث الإسراء من قوله : ( أتيت بالبراق إلى هنا ) أي رويا معناه أي اتفقا عليه ، واللفظ الذي ذكرته أنا هنا لمسلم ، وأما البخاري فرواه بألفاظ بعضها غير ما ذكرته هنا اه شيخنا . قوله : ( واللفظ لمسلم ) وخرجه مسلم من حديث عمار بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أتيت بالبراق الخ » اه خازن .
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 293 | إبراهيم شمس الدين / سليمان بن عمر العجيلي الشافعي