تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
أسلمت أمه وقرىء والدي مفردا وولدي
وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ
يثبت
الْحِسابُ
( 41 ) قال تعالى
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
الكافرون من أهل مكة
إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ
بلا عذاب
شرح
بأن في مصحف ولأبوي فهي مفسرة لقراءة العامة . وروي عن ابن يعمر أنه قرأ ولولدي بضم الواو وسكون اللام وفيها تأويلان ، أحدهما : أنه جمع ولد كأسد في أسد ، وأن يكون لغة في الولد كالحزن والحزن والبخل والبخل ، وقد قرىء بذلك في مريم ، والزخرف ، ونوح في السبعة ، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى اه . قوله : ( يثبت ) أي يوجد فهو مستعار في القيام على الرجل ، كقولهم : قامت الحرب على ساقها اه بيضاوي . وفي الخازن : يوم يقوم الحساب يعني : يوما يبدو ويظهر فيه الحساب ، وقيل : أراد يوم يقوم الناس فيه للحساب ، فاكتفى بذكر الحساب لكونه مفهوما عند السامع ، وهذا دعاء للمؤمنين بالمغفرة ، واللّه تعالى لا يرد دعاء خليله إبراهيم ، ففيه بشارة عظيمة لجميع المؤمنين بالمغفرة اه . قوله :وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَبفتح السين وكسرها قراءتان سبعيتان ، وكذا يقال في قوله الآتي فلا تحسبن اللّه مخلف وعده رسله اه شيخنا . والغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور ، وقيل : حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ ، وهذا في حق اللّه محال ، فلا بد من تأويل الآية ، فالمقصود منه أنه تعالى ينتقم من الظالم للمظلوم ، ففيه وعيد وتهديد للظالم وإعلام له بأنه لا يعامله معاملة الغافل عنه ، بل ينتقم منه ولا يتركه مغفولا عنه . قال سفيان بن عيينة : فيه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم . فإن قلت : قد تعالى اللّه وتنزه وتقدس عن السهو والغفلة ، فكيف يحسبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو أعظم الناس معرفة به أنه يكون غافلا ، حتى قيل لهوَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ؟قلت : إن كان المخاطب به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ففيه وجهان ، أحدهما : التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب اللّه غافلا فهو قوله :وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ[ الأنعام : 14 ] وكقوله :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا[ النساء : 136 ] أي اثبتوا على ما أنتم عليه من الإيمان . الوجه الثاني : أن المراد بالنهي عن حسبانه غافلا الإعلام بأنه تعالى عالم بما يفعل الظالمون لا يخفى عليه شيء ، وأنه ينتقم منهم فهو على سبيل الوعيد والتهديد لهم . والمعنى ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عنهم ، ولكنه يعاملهم معاملة الرقيب الحفيظ عليهم المحاسب لهم على الصغير والكبير ، وإن كان المخاطب غير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلا إشكال فيه ولا سؤال ، لأن أكثر الناس غير عارفين بصفات اللّه ، فمن جوز أن يحسبه غافلا فلجهله بصفاته اه خازن . قوله :إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْالخ استئناف وقع تعليلا للنهي السابق أي : دم على ما أنت عليه من عدم حسبانه تعالى غافلا عن أعمالهم ولا تحزن بتأخير ما استوجبوه من العذاب الأليم ، لأن تأخيره للتشديد والتغليظ أو لا تحسبنه تاركا لعقوبتهم لما ترى من تأخيرها إنما ذلك لأجل هذا ، أو لا تحسبنه تعالى يعاملهم معاملة الغافل ولا يؤاخذهم بما عملوا لما ترى من أن التأخير إنما هو لهذه الحكمة وإيقاع
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 160 | إبراهيم شمس الدين / سليمان بن عمر العجيلي الشافعي