يَحْكُمُ
في خلقه بما يشاء
لا مُعَقِّبَ
لا راد
لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ
( 41 )
وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
من الأمم بأنبيائهم كما مكروا بك
فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً
وليس مكرهم كمكره لأنه تعالى
يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ
فيعد لها جزاءها وهذا هو المكر كله لأنه يأتيهم به من حيث لا يشعرون
شرح
الموضوع هو الوجه الأول ، ويمكن أن يقال هذا الوجه أيضا لائق بهذا الموضع لأن قوله :أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّانحدث في الدنيا من الاختلافات خرابا بعد عمارة ، وموتا بعد حياة ، وذلا بعد عز ، ونقصا بعد كمال ، وإذا كانت هذه التغيرات مشاهدة محسوسة ، فما الذي يؤمنهم ان اللّه يقلب الأمر على هؤلاء الكفرة ، ويصيرهم ذليلين بعد عزهم ، ومقهورين بعد فرحهم ، فناسب هذا الكلام ما قبله اه .
قوله :وَاللَّهُ يَحْكُمُفي الالتفات من التكلم إلى الغيبة وبناء الحكم على الاسم الجليل من الدلالة على الفخامة ، وتربية المهابة ، وتحقيق بالإشارة إلى العلة ما لا يخفى اه أبو السعود .
قوله :لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِأي : لا راد له ، وحقيقة المعقب هو الذي يتعقب الشيء بالابطال ، ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يتعقب غريمه بالطلب ، والمعنى أنه حكم للإسلام بالاقبال وعلى الكفر بالادبار ، وذلك كائن لا يمكن تغييره ومحل لا مع النفي النصب على الحال أي : يحكم نافذا حكمه خاليا من المدافع والمعارض والمنازع لا يتعقب حكمه أحد بتغيير ولا نقص اه بيضاوي وخازن .
قوله :وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِفيحاسبهم بعد زمن قليل في الآخرة بعد ما عذبهم بالقتل ، وأخرجهم من ديارهم في الدنيا ، فلا تستبطىء عقابهم ، فإنه آت لا محالة وكل آت قريب اه شهاب .
وفي الخازن :وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ .قال ابن عباس : يريد سريع الانتقام ممن حاسبه للمجازاة بالخير والشر ، فمجازاة الكفار بالانتقام منهم ، ومجازاة المؤمنين بإيصال الثواب إليهم اه .
قوله :وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْتسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمكر إيصال المكروه للممكور به خفية من حيث لا يشعر اه شيخنا .
قوله :فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاًتعليل لمحذوف تقديره فلا عبرة بمكرهم ولا تأثير له ، فحذف هذا اكتفاء بدلالة القصر المستفاد من تعليله بقوله :فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاًأي : لا تأثير لمكرهم أصلا إذ هو عبارة عن إيصال المكروه إلى الغير من حيث لا يشعر به ، وحيث كان جميع ما يأتون وما يذرون بعلم اللّه تعلى وقدرته ، وإنما لهم مجرد الكسب من غير فعل ولا تأثير ظهر أن ليس لمكرهم بالنسبة إلى من مكروا بهم عين ولا أثر ، وأن المكر كله للّه تعالى حيث يؤاخذهم بما كسبوا من فنون المعاصي التي من جملتها مكرهم من حيث لا يحتسبون اه من أبي السعود .
قوله : ( وليس مكرهم كمكره ) إذ معناه أن مكر الماكرين مخلوق له ولا يضر إلا بإرادته فإثباته لهم باعتبار الكسب ، ونفيه عنهم باعتبار الخلق فلا يرد كيف أثبت لهم مكرا ثم نفاه عنهم بقوله :فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً ،وفيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأمان له من مكرهم اه كرخي .
قوله : ( لأنه تعالى )يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍأشار إلى أن اكتساب العباد معلوم للّه تعالى ،