بأرض بعيدة
يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ
بأن يقبل عليكم ولا يلتفت لغيركم
وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ
أي بعد قتل يوسف أو طرحه
قَوْماً صالِحِينَ
( 9 ) بأن تتوبوا
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ
هو يهودا
لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ
شرح
الأسود ، أو يموت في تلك الأرض البعيدة اه خازن .
وفي القرطبي : وإنما قالوا هذا لأن خبر المنام بلغهم ، فتشاوروا في كيده اه .
فإن قلت : الذي فعله إخوة يوسف بيوسف هو محض الحسد ، والحسد من أمهات الكبائر ، وكذلك نسبة أبيهم إلى الضلال وهو من محض العقوق وهو من الكبائر أيضا ، وكل ذلك قادح في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، فما الجواب عنه ؟ قلت : لأن هذه الأفعال إنما صدرت من إخوة يوسف قبل ثبوت النبوة لهم ، والمعتبر في عصمة الأنبياء هو وقت حصول النبوة لا قبلها . وقيل : كانوا وقت هذه الأفعال مراهقين غير بالغين ولا تكليف عليهم قبل البلوغ ، فعلى هذا لم تكن هذه الأفعال قادحة في عصمة الأنبياء عليهم السّلام اه خازن .
وفي الكرخي : فإن قلت : كيف قالوا ذلك وهم أنبياء ؟ قلنا : لم يكونوا أنبياء على الصحيح ، وبتقدير أنهم كانوا أنبياء فإنما قالوا ذلك قبل نبوتهم . فالجواب : بأن ذلك من الصغائر أو بأنهم قالوه في صغرهم ضعيف اه .
وقال محمد بن إسحاق : اشتمل فعلهم هذا على جرائم كثيرة من قطيعة الرحم ، وعقوق الوالد ، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له ، والغدر بالأمانة وترك العهد والكذب مع أبيهم ، وقد عفا اللّه عن ذلك كله حتى لا ييأس أحد من رحمة اللّه . وقال بعض أهل العلم : عزموا على قتله وعصمهم اللّه رحمة بهم ، ولو فعلوا ذلك لهلكوا جميعا وكل ذلك قبل أن نبأهم اللّه اه .
قوله :أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاًفي نصبه ثلاثة أوجه ، أحدهما : أن يكون منصوبا على إسقاط الخافض أي في أرض كقوله :لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ[ الأعراف : 16 ] وإليه ذهب الحوفي وابن عطية . الثاني : النصب على الظرفية قال الزمخشري : أي أرض منكورة مجهولة بعيدة من العمران وهو معنى تنكيرها واخلائها من الناس ، ولأنها من هذا الوجه نصبت نصب الظروف المبهمة . والثالث :
أنها مفعول ثان ، وذلك أن يضمن اطرحوه معنى انزلوه ، وأنزلوه يتعدى لاثنين قال تعالى :أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً[ المؤمنون : 29 ] وتقول : أنزلت زيدا الدار ، والطرح : الرمي ، ويعبر به عن الاقتحام في المخاوف . ويخل لكم : جواب الأمر وفيه الأدغام والاظهار ، وقد تقدم تحقيقهما عند قوله تعالى :يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ[ آل عمران : 85 ] ا ه سمين .
قوله :يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْالمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها وينازعهم إياها ، فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم ، لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه اه كرخي .
قوله :وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِالخ وذلك أنهم لما علموا أن الذي عزموا عليه من الكبائر والذنوب قالوا : نتوب من هذا الفعل ونكون من الصالحين في المستقبل اه خازن .
قوله : ( بأن تتوبوا ) وقيل : صالحين مع أبيكم يصلح ما بينكم وبينه بعذر تمهدونه ، أو صالحين في أمر دنياكم فإنه ينتظم لكم بعده بخلو وجه أبيكم اه بيضاوي .