تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
من العين والأنف والحاجب
فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها
فنجعلها كالأقفاء لوحا واحدا
أَوْ نَلْعَنَهُمْ
نمسخهم قردة
كَما لَعَنَّا
مسخنا
أَصْحابَ السَّبْتِ
منهم
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ
قضاؤه
مَفْعُولًا
( 47 ) ولما نزلت أسلم عبد اللّه بن سلام فقيل كان وعيدا بشرط فلما أسلم بعضهم رفع وقيل يكون
شرح
المتقدم قطعا ، ولذلك قال عليه الصلاة والسّلام : « لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي » اه أبو السعود . قوله :مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاًمتعلق بالأمر مفيد للمسارعة إلى امتثاله والجد في الانتهاء عن مخالفته بما فيه من الوعيد الشديد الوارد على أبلغ وجه وآكده ، حيث لم يعلق وقوع المتوعد به بالمخالفة ، ولم يصرح بوقوعه عندها تنبيها على أن ذلك أمر محقق غني عن الأخبار به على شرف الوقوع ، متوجه نحو المخاطبين . وفي تنكير الوجوه المفيد للتكثير تهويل للخطب ، وفي إبهامها لطف بالمخاطبين وحسن استدعاء لهم إلى الإيمان وأصل الطمس محو الآثار وإزالة الأعلام أي آمنوا من قبل أن نمحو تخطيط صورها ونزيل آثارها . قال ابن عباس : نجعلها كخف البعير ، أو كحافر الدابة ، وقال قتادة والضحاك : نعميها كقوله تعالى :لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ[ يس : 66 ] وقيل : نجعلها منابت الشعر كوجوه القردة فنردها على أدبارها فنجعلها على هيئة أدبارها وأقفائها ، مطموسة مثلها فالفاء للتسبب ، أو ننكسها بعد الطمس فردها إلى موضع الاقفاء والاقفاء إلى موضعها ، وقد اكتفى بذكر أشدهما اه أبو السعود . قوله : ( نمحو ما فيها ) أشار به إلى تقدير مضاف أي صور وجوه ، وقوله : ( من العين الخ ) أي للجنس ، وعبارة أبي حيان : من العينين والحاجبين والأنف والفم اه . قوله : ( فنجعلها كالاقفاء ) بالمد على حد قوله :وغير ما أقعد فيه مطرد * من الثلاثي الخ فهو جمعفهو جمع قفا بالقصر وهو قياسي ، ويجمع أيضا على قفي بضم القاف وكسرها على حد قوله : كذلك ذا وجهين جا الفعول الخ وأما جمعه على أقفية فغير قياسي ، وإنما هو جمع الممدود ككساء ورداء وأردية اه شيخنا . قوله : ( فقيل كان وعيدا بشرط الخ ) عبارة أبي السعود ، وقد اختلف في أن الوعيد هل كان بوقوعه في الدنيا أو في الآخرة ؟ فقيل : بوقوعه في الدنيا ، ويؤيده ما روي أن عبد اللّه بن سلام لما قدم من الشأم وقد سمع بهذه الآية أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أن يأتي أهله ، وقال : يا رسول اللّه وما كنت رأى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي إلى قفاي ، وفي رواية جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويده على وجهه وأسلم وقال ما قال وكذا ما روي أن عمر رضي اللّه عنه قرأ هذه الآية على كعب الأحبار ، فقال كعب الأحبار : يا رب آمنت يا رب أسلمت مخافة أن يصيبه وعيدها ، ثم اختلفوا . فقيل : إنه منتظر بعد ولا بد من طمس في اليهود ومسخ وهو قول المبرد ، وقيل إن وقوعه كان مشروطا بعدم الإيمان ، وقد آمن من أحبارهم المذكوران وأضرابهما فلم يقع ، وقيل كان الوعيد بوقوع أحد الأمرين كما ينطق به قوله تعالى :أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ[ النساء : 47 ] فإن لم يقع الأمر الأول فلا نزاع في وقوع الثاني ، كيف لا وهم ملعونون بكل
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 63 | إبراهيم شمس الدين / سليمان بن عمر العجيلي الشافعي