رواه الحاكم في صحيحه
أَذِلَّةٍ
عاطفين
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ
أشداء
عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ
شرح
الرابط بين المبتدأ الذي هو من وخبره ، وهذا لا يحتاج إليه إلا على المرجوح من أن الخبر هو الجزاء وحده . وأما على القولين الآخرين من أنه الشرط وحده الراجح أو المجموع ، فالرابط موجود وهو الضمير المستتر في يرتد والبارز المجرور في قوله : عن دينه اه شيخنا .
قوله :بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْهؤلاء القوم هم الأشعريون ، كما قال الشارح ، وقيل : هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة وما نعي الزكاة ، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قبض ارتد عامة العرب إلا أهل المدينة وأهل مكة وأهل البحرين من بني عبد القيس ، فإنهم ثبتوا ونصر اللّه بهم الدين . ولما ارتد من ارتد من العرب ومنعوا الزكاة همّ أبو بكر بقتالهم ، فكره ذلك الصحابة ، وقال بعضهم : هم أهل القبلة ، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده ، فلم يجدوا بدا من الخروج على أثره ، فقال ابن مسعود : كرهنا ذلك في الابتداء ثم حمدناه عليه في الانتهاء ، قال بعض الصحابة : وما ولد بعد النبيين أفضل من أبي بكر لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة . وبعث أبو بكر خالد بن الوليد في جيش كثير إلى بني حنيفة ، فأهلك اللّه مسيلمة منهم على يد وحشي غلام مطعم بن عدي قاتل حمزة ، فكان يقول قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام ، أراد بذلك أنه في حال الجاهلية قتل حمزة وهو خير الناس ، وفي حال إسلامه قتل مسيلمة الكذاب وهو شر الناس اه من الخازن .
قوله :يُحِبُّهُمْفي محل جر صفة لقوم ، ويحبونه معطوف عليه ، فهو في محل جر أيضا ، فوصفهم بصفتين : وصفهم بكونه تعالى يحبهم وبكونهم يحبونه ، وقدمت محبة اللّه تعالى على محبتهم لشرفها وسبقها ، إذ محبته تعالى لهم عبارة عن إلهامهم الطاعة وإثابته إياهم عليها اه سمين .
ومحبتهم به طاعتهم لأوامره ونواهيه ، وعبارة أبي السعود : يحبهم أي يرتد بهم خيري الدنيا والآخرة ، ويحبونه أي يريدون طاعته ويتحرزون عن معاصيه انتهت .
قوله :أَذِلَّةٍجمع ذليل لا جمع ذلول فإن جمعه ذلل اه أبو السعود .
وقوله : ( عاطفين ) فأشار بهذا إلى أن أذلة مضمن معنى عاطفين لأجل تعديته بعلى ، وكان أصله أن يتعدى باللام والمعنى عاطفين على المؤمنين على وجه التذلل لهم والتواضع ، وهذا مقتبس من قوله تعالى :وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ[ الإسراء : 24 ] ولما قال :أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَأوهم أنهم أذلاء محقرون مهانون ، فدفع ذلك الإبهام بقوله أعزة على الكافرين أي متغلبين عليهم ، ووقع الوصف في جانب المحبة بالجملة الفعلية ، لأن الفعل يدل على التجدد والحدوث ، وهو مناسب ، فإن محبتهم للّه تعالى تجدد طاعته وعبادته كل وقت ومحبة اللّه إياهم تجدد ثوابه وإنعامه عليهم كل وقت . ووقع الوصف في جانب التواضع للمؤمنين والغلظة على الكافرين بالاسم الدال على المبالغة دلالة على ثبوت ذلك واستقراره ، فإنه عريق فيهم ، والاسم يدل على الثبوت والاستقرار ، وقدم الوصف بالمحبة منهم ولهم على وصفهم بأذلة وأعزه ، لأنهما ناشئتان عن المحبتين ، وقدم وصفهم المتعلق بالمؤمنين على وصفهم المتعلق بالكافرين ، فإنه آكد وألزم منه ولشرف المؤمنين أيضا اه سمين .