شرح
وعبارة الخازن : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا . الخطاب في منكم للأمم ثلاث أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أجمعين بدليل أن اللّه قال قبل هذه الآية :إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ[ المائدة : 44 ] ثم قال بعد ذلكوَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ،ثم قال ؛وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَثم جمع فقال :لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً .والشرعة الشريعة يعني لكل أمة شريعة ، فالتوراة شريعة والإنجيل شريعة والقرآن شريعة والدين واحد ، وهو التوحيد ، وأصل الشريعة من الشرع ، وهو البيان والإظهار ، من شرع أي بين وأوضح . وقيل : هو من الشروع في الشيء ، والشريعة في كلام العرب المشرعة التي يقصدها الناس فيشربون ويسقون منها . وقيل : الشريعة الطريقة ثم استعير ذلك للطريقة الإلهية المؤدية إلى الدين ، والمنهاج الطريق الواضع . قال بعضهم : الشريعة والمنهاج عبارة عن معنى واحد ، والتكرير للتأكيد والمراد بهما الدين . وقال آخرون : بينهما فرق لطيف وهو أن الشريعة التي أمر اللّه بها عباده هي عبادته . والمنهاج الطريق الواضح المؤدي إلى الشريعة . قال ابن عباس : في قوله شرعة ومناجا سنّة وسبيلا ، وقال قتادة : سبيلا وسنّة ، فالسنن مختلفة للتوراة شريعة ، وللإنجيل شريعة ، وللقرآن شريعة يحل اللّه عز وجل فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء ، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه ، والدين الذي لا يقبل التغير هو التوحيد والإخلاص للّه والإيمان بما جاءت به جميع الرسل عليهم السّلام . وقال علي بن أبي طالب : الإيمان منذ بعث آدم عليه السّلام شهادة أن لا إله إلا اللّه ، والإقرار بما جاء من عند اللّه ، ولكل قوم شريعة ومنهاج . قال العلماء : وردت آيات دالة على عدم التباين بين طرق الأنبياء منها ، قوله :شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً[ الشورى : 13 ] إلى قول :أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ[ الشورى : 13 ] ، ومنها قوله :أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ[ الأنعام : 90 ] . ووردت آيات دالة على حصول التباين بينهما منها هذه الآية وهي قوله :لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاًوطريق الجمع بين هذه الآيات أن كل آية دلت على عدم التباين فهي محمولة على أصول الدين من الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فكل ذلك جاءت به الرسل من عند اللّه ، فلم يختلفوا فيه . وأما الآيات الدالة على حصول التباين بينهما ، فمحمولة على الفروع وما يتعلق بظواهر العبادات ، فجائز أن يتعبد اللّه عباده في كل وقت بما شاء ، فهذا هو طريق الجمع بين الآيات واللّه أعلم بأسرار كتابه ، واحتج بهذه من قال : إن شرع من قبلنا لا يلزمنا لأن قوله :لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاًيدل على أن كل رسول جاء بشريعة خاصة ، فلا يلزم أمة رسول الاقتداء بشريعة رسول آخر اه بحروفه .
قوله : ( لكل ) التنوين عوض عن المضاف إليه تقديره لكل أمة أو لكل نبي وجعلنا يحتمل أن يكون متعديا لاثنين بمعنى صيرنا فيكون لكل مفعولا ثانيا مقدما وشرعة مفعولا أولا مؤخرا . وقوله :مِنْكُمْمتعلق بمحذوف أي أعني منكم ، ولا يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لكل ، لأنه يلزم منه الفصل بين الصفة والموصوف بقوله جعلنا ، وهي جملة أجنبية ليس فيها تأكيد ، وما شأنه كذلك لا يجوز الفصل به اه سمين .
قوله :شِرْعَةًفي المصباح : الشرعة بالكسر الدين ، والشرع والشريعة مثله مأخوذ من