تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
الكتب
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ
بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك
بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
إليك
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ
عادلا
عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ
أيها الأمم
شِرْعَةً
شريعة
وَمِنْهاجاً
شرح
الأولى هاء ، وهذا ضعيف إذ فيه تكلف لا حاجة إليه مع أن له نظائر يمكن إلحاقه بها كمبيطر وأخواته ، وأيضا فإن همزة مؤأمن اسم فاعل من آمن قاعدتها الحذف فلا يدعى فيها أنها ثبتت ثم أبدلت هاء ، وهذا مما لا نظير له . وقرأ ابن محيصن ومجاهد مهيمنا بفتح الميم الثانية على أنه اسم مفعول بمعنى أنه حوفظ عليه من التغيير والتبديل ، والحافظ هو اللّه تعالى لقوله :إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ[ الحجر : 9 ] اه . قوله :فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْالفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فإن كون القرآن العظيم حقا مصدقا لما قبله من الكتب المنزلة على الأمم ومهيمنا عليه من موجبات الحكم المأمور به ، أي إذا كان شأن القرآن كما ذكرنا فاحكم بين أهل الكتاب عند تحاكمهم إليك بما أنزل اللّه ، أي بما أنزله إليك فإنه مشتمل على جميع الأحكام الشرعية الباقية في الكتب الإلهية ، وتقديم بينهم للاعتناء ببيان تعميم الحكم لها ، ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه علي عليه ما في حيز الصلة للحكم والالتفات بإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة والإشعار بعلة الحكم اه أبو السعود . قوله : ( عادلا )عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّأشار بهذا إلى أن الجار والمجرور في محل الحال من فاعل تتبع ، وهذا أحد وجهين ذكرهما السمين ، ونصه : قوله عما جاءك فيه وجهان . أحدهما : وبه قال أبو البقاء أنه حال أي عادلا عما جاءك ، وهذا فيه نظر من حيث إن عن حرف جر ناقص لا يقع خبرا عن الجثة ، فكذا لا يقع حالا عنها وحرف الجر الناقص إنما يتعلق بكون مطلق لا بكون مقيد ، لأن المقيد لا يجوز حذفه ، والثاني : أن عن علي بابها من المجاوزة ، لكن بتضمين تتبع معنى تتزحزح ، وتنحرف أي لا تنحرف متبعا اه . قوله :مِنَ الْحَقِّفيه وجهان ، أحدهما : أنه حال من الضمير المرفوع في جاء . والثاني : أنه حال من نفس ما الموصولة فيتعلق بمحذوف ويجوز أن تكون بيانية اه سمين . قوله :لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْكلام مستأنف جيء به لحمل أهل الكتابين من معاصريه عليه السّلام على الانقياد لحكمه عليه السّلام بما أنزل إليه القرآن الكريم ، ببيانه أنه هو الذي كلفوا العمل به دون غيره من الكتابين ، وإنما الذي كلف العمل بهما من مضى قبل نسخهما من الأمم السالفة ، والخطاب بطريق التلوين والالتفات للناس كافة ، لكن لا للموجودين خاصة ، بل للماضين أيضا بطريق التغليب . واللام متعلقة بجعلنا وهو اخبار عن جعل ماض لا إنشاء وتقديمها عليه للتخصيص ومنكم متعلق بمحذوف وقع صفة لما عوض عنه تنوين كل ولا يعد في توسيط جعلنا بين الصفة والموصوف كما في قوله تعالى :أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ الأنعام : 14 ] الخ . والمعنى لكل أمة كائنة منكم أيها الأمم الباقية والخالية جعلنا أي عينا ، ووضعنا شرعة ومنهاجا خاصين بتلك الأمة ، لا تكاد أمة تتخطى شرعتها التي عينت لها ، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السّلام شرعتهم التوراة ، والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث النبي عليهما السّلام شرعتهم الإنجيل ، وأما أنتم أيها الموجودون من سائر المخلوقات فشرعتكم القرآن ليس إلا ، فآمنوا به وآمنوا بما فيه اه أبو السعود .
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 232 | إبراهيم شمس الدين / سليمان بن عمر العجيلي الشافعي