كَفَّارَةٌ لَهُ
لما أتاه
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
في القصاص وغيره
فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
( 45 )
وَقَفَّيْنا
أتبعنا
عَلى آثارِهِمْ
أي النبيين
بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ
قبله
مِنَ
شرح
تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته . وعن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما : تهدم عنه ذنوبه بقدر ما تصدق به ، وقيل فهو كفارة للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط عنه ما لزمه انتهت .
وعبارة شرح الرملي على المنهاج : بالقود أو العفو أو أخذ الدية لا تبقى مطالبة أخروية ، وما أفهمه كلام الشرح والروضة من بقائها محمول على حقه تعالى إذ لا يسقطه إلا توبة صحيحة ومجرد التمكين من القود لا يفيد إلا إن انضم إليه ندم من حيث المعصية وعزم على عدم العود انتهت .
قال ابن القيم : والتحقيق أن القائل يتعلق به ثلاثة حقوق : حق للّه تعالى ، وحق للمقتول ، وحق للولي ، فإذا سلّم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الولي ندما على ما فعل وخوفا من اللّه تعالى وتوبة نصوحا سقط حق اللّه بالتوبة ، وحق الأولياء بالاستيفاء أو الصلح والعفو وبقي للمقتول يعوضه اللّه عنه يوم القيامة عن عبده التائب ويصلح بينه وبينه اه .
وأما لو سلم القاتل نفسه اختيارا من غير ندم ولا توبة أو قتل كرها فيسقط حق الوراث فقط ، ويبقى حق اللّه تعالى لأنه لا يسقطه إلا التوبة كما علمت ، ويبقى حق المقتول أيضا ، لأنه لم يصل له شيء من القتل ، ويطالبه به في الآخرة ولا يقال يعوضه اللّه عنه مثل ما تقدم لأنه لم يسلم نفسه تائبا تأمل . قوله :وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُنزلت هذه الآية حين اصطلحوا على أن لا يقتل الشريف بالوضيع ، ولا الرجل بالمرأة اه شيخنا .
وفي الخازن : وكان بنو النضير إذا قتلوا من قريظة إدوا إليهم نصف الدية ، وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير أدوا إليهم الدية كاملة فغيروا حكم اللّه الذي أنزل التوراة ، قال ابن عباس : فما لهم يخالفون فيقتلون النفسين بالنفس ويفقؤون العينين بالعين اه .
قوله :فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَذكر الظلم هنا مناسب لأنه جاء عقب أشياء مخصوصة من أمر القتل والجرح ، فناسب ذكر الظلم المنافي القصاص وعدم التسوية فيه ، وإشارة إلى ما كانوا قرروه من عدم التساوي بين النضير وقريظة اه أبو حيان .
قوله :وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْالخ شروع في بيان أحكام الإنجيل إثر بيان أحكام التوراة ، وهو عطف على أنزلنا التوراة في قوله :إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَاه أبو السعود .
وقد تقدم معنى قفينا وأنه من قفا يقفو أي تبع قفاه أي أرسلناه عقبهم ، وقوله : على آثارهم بعيسى كل من الجارين متعلق بقفينا على تضمينه معنى جئنا به على آثارهم وأقفائهم ، والتضعيف في قفينا ليس للتعدية ، لأن قفا متعد لواحد قبل التضعيف . قال تعالى :وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ[ الإسراء :
36 ] فما موصولة بمعنى الذي هي مفعوله ، وتقول العرب : قفى فلان أثر فلان أي تبعه ، فلو كان التضعيف للتعدية إلى اثنين لكان التركيب وقفيناهم عيسى ابن مريم فهو مفعول ثان وعيسى مفعول أول ، ولكنه ضمن كما تقدم ، فلذلك تعدى بالباء اه سمين .
قوله :عَلى آثارِهِمْالضمير إما للنبيين في قوله : يحكم بها النبيون ، وإما لمن كتب عليهم تلك