والأنصار
يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
من الكتب
وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ
نصب على المدح
شرح
وفي أبي السعود ما نصه : لكن الراسخون في العلم منهم استدراك على قوله تعالى :وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ[ آل عمران : 151 ] الخ وبيان لكون بعضهم على خلاف حالهم عاجلا وآجلا أي لكن التائبون في العلم منهم المتقنون المستبصرون فيه غير التابعين للظن كأولئك الجهلة ، والمراد بهم عبد اللّه بن سلام وأصحابه ، والمؤمنين منهم وصفوا بالإيمان بعد ما وصفوا بما يوجبه من الرسول في العلم بطريق العطف المبني على المغايرة بين المعطوفين تنزيلا للاختلاف العنواني منزلة الاختلاف الذاتي .
وقوله تعالى :يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ[ البقرة : 4 ] حال من المؤمنين مبينة لكيفية إيمانهم ، وقيل اعتراض مؤكدا لما قبله ، وقوله :وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَقبل نصب باضمار فعل تقديره ، وأعني المقيمين الصلاة ، على أن الجملة معترضة بين المتعاطفات ، وقيل هو عطف على بما أنزل إليك على أن المراد بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام أي يؤمنون بالكتب والأنبياء والملائكة . وقال مكي :
أي ويؤمنون بالملائكة الذين صفتهم الصلاة لقوله تعالى :يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ[ الأنبياء : 20 ] وقيل : عطف على الكاف في إليك أي يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة وهم الأنبياء ، وقيل : على عطف الضمير لمجرور في منهم أي لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة ، وقرىء بالرفع وعلى أنه معطوف على بناء على مر من تنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي ، وكذا الحال فيما سيأتي من المعطوفين فإن قوله :وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَعطف علىالْمُؤْمِنُونَمع اتحاد الكل ذاتا وكذا الكلام في قولهوَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِفإن المراد بالكل مؤمنو أهل الكتاب قد وصفوا أولا بكونهم راسخين في علم الكتاب إيذانا بأن ذلك موجب للايمان حتما ، وأن من عداهم إنما بقوا مصرين على الكفر لعدم رسوخهم في العلم ، ثم بكونهم مؤمنين بجميع الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم السّلام ، ثم بكونهم عاملين بما فيها من الشرائع والاحكام ، واكتفى من بينها بذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة المستتبعين ، لسائر العبادات البدنية والمالية ، ثم بكونهم مؤمنين بالمبدأ والمعاد تحقيقا لحيازتهم الإيمان بقطريه ، وإحاطتهم به من طرفيه وتعريضا بأن من عداهم من أهل الكتاب ليسوا بمؤمنين بواحد منهما حقيقة ، فإنهم بقولهم :عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ[ التوبة : 30 ] مشركون باللّه سبحانه ، وقولهم :لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً[ البقرة : 80 ] كافرون باليوم الآخر . وقوله :أُولئِكَإشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما عدد من الصفات الجميلة وما فيه من معنى البعد للاشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل . وهو مبتدأ وقولهسَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماًخبره ، والجملة خبر للمبتدأ الذي هو الراسخون وما عطف عليه والسين لتأكيد الوعد وتنكير الأجر للتفخيم ، وهذا الاعراب أنسب بتجاوب طرفي الاستدراك حيث أوعد الأولون بالعذاب الأليم ، ووعد الآخرون بالأجر العظيم كأنه قيل اثر قوله :وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ،لكن المؤمنون سنؤتيهم أجرا عظيما . وأما ما جنح إليه الجمهور من جعل قوله يؤمنون بما أنزل إليك الخ خبرا للمبتدأ ففيه كمال السداد غير أنه غير متعرض لتقابل الطرفين اه بحروفه .
قوله : ( المهاجرون والأنصار ) هذا أحد قولين في تفسير المؤمنين ، والقول الثاني أن المراد بهم المؤمنون من أهل الكتاب . وعبارة الخازن : وفي المراد بالمؤمنين هنا قولان ، أحدهما : أنهم أهل الكتاب فيكون المعنى لكن الراسخون في العلم منهم وهم المؤمنون . والقول الثاني : أنهم المهاجرون