تعالى
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ
وبينهم
يَوْمَ الْقِيامَةِ
بأن يدخلكم الجنة ويدخلهم النار
وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا
( 141 ) طريقا بالاستئصال
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ
بإظهارهم خلاف ما أبطنوه من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية
وَهُوَ خادِعُهُمْ
مجازيهم على خداعهم
شرح
قوله :وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًافيه قولان :
أحدهما : وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس ان المراد به في القيامة بدليل عطفه على قوله فاللّه يحكم بينكم يوم القيامة . روي أن رجلا سأل علي بن أبي طالب عن هذه الآيةوَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا .كيف هذا وهم يقتلوننا ؟ فقال : ولن يجعل اللّه للكافرين يوم القيامة على المؤمنين سبيلا .
القول الثاني : أن هذا في الدنيا والمراد بالسبيل الحجة . أي ليس لأحد من الكافرين أن يغلب المسلمين بالحجة ، وقيل : معناه إن اللّه لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بأن يمحوا دولة المؤمنين بالكلية ويستبيحوا بيضتهم ، فلا يبقى أحد من المؤمنين ، وقيل : معناه إن اللّه لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بالشرع ، فإن شريعة الإسلام ظاهرة إلى يوم القيامة . ويتفرع على ذلك مسائل من أحكام الفقه : منها أن الكافر لا يرث من المسلم ، ومنها أن الكافر إذا استولى على مال المسلم لم يملكه بدليل هذه الآية ، ومنها : أن الكافر ليس له أن يشتري عبدا مسلما ، ومنها : أن المسلم لا يقتل بالذمي بدليل هذه الآية اه خازن .
قوله :عَلَى الْمُؤْمِنِينَيجوز أن يتعلق بالجعل ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف لأنه في الأصل صفة لسبيلا ، فلما قدم عليه انتصب حالا منه اه سمين .
قوله : ( طريقا بالاستئصال ) جواب عما يقال كيف هذا النفي في الآية مع أن كثيرا ما يقتل بعض الكفار بعض المسلمين ، وقد تقدم بسطه في عبارة الخازن . قوله :يُخادِعُونَ اللَّهَأي رسوله كما يقتضيه قول الشارح الخ بإظهارهم الخ . إذ هذا إنما هو خداع مع رسول اللّه لا مع اللّه لعلمه بكل شيء .
وقوله :وَهُوَ خادِعُهُمْأي اللّه نفسه كما يقتضيه قوله : مجازيهم اه شيخنا .
وفي أبي السعود :إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْكلام مبتدأ مسوق لبيان طرف آخر من قبائح أعمالهم . أي يفعلون ما يفعله المخادع من إظهار الإيمان وإبطان نقيضه ، واللّه فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع حيث تركهم في الدنيا معصومين الدماء والأموال ، وأعد لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار ، وقيل : يعطون على الصراط نورا كما يعطى المؤمنون فيمضون بنورهم ، ثم يطفأ نورهم ، ويبقى نور المؤمنين ، فينادون المؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم اه .
وسمي المنافق منافقا أخذا من نافقاء اليربوع وهو جحره ، فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما ، ويخرج من الآخر ، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله : أنا مؤمن ويدخل مع الكفار بقوله أنا كافر . وجحر اليربوع يسمى النافقاء والسامياء والدامياء ، فالسامياء هو الجحر الذي تلد فيه الأنثى والدامياء هو الذي يكون فيه الذكر ، والنافقاء هو الذي يكونان فيه اه كرخي .
قوله :وَهُوَ خادِعُهُمْفيه ثلاثة أوجه ، أحدها : ذكره أبو البقاء وهو أنها في محل نصب على