البريء منكم المجرم
ذلِكُمْ
القتل
خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ
فوفقكم لفعل ذلك وأرسل عليكم سحابة سوداء لئلا يبصر بعضكم بعضا فيرحمه حتى قتل منكم نحو سبعين ألفا
فَتابَ عَلَيْكُمْ
شرح
هذه المادة أي مادة وبرئ يدل على انفصال شيء عن شيء وتميزة عنه يقال برئ المريض من مرضه إذا زال عنه المرض وانفصل وبرئ المدين من دينه إذا زال عنه الدين وسقط عنه ، ومنه البارىء ، في أوصاف اللّه تعالى لأن معناه الذي أخرج الخلق من العدم وفصلهم عنه إلى الوجود ، ومنه البرية أي الخليقة لانفصالهم من العدم إلى الوجود اه من السمين .
وفي المختار أن برئ المريض من بابي سلم وقطع ، وإن برأ اللّه الخلق من باب قطع لا غير اه .
قوله :فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْأي سلموها للقتل وارضوا به ، فليس المراد به ظاهره من الأمر بقتل الإنسان لنفسه ، لأن هذا لم يقل به أحد ولم يفعله أحد من بني إسرائيل فقول الجلال أي ليقتل البريء منكم المجرم تفسير للمعنى بحسب المآل .
قوله : ( أي ليقتل البريء منكم ) قد عرفت أنهم كانوا اثني عشر ألفا فلما أمر موسى المجرمين بالقتل قالوا نصبر لأمر اللّه فجلسوا محتبين ، وقال لهم : من حل حبوته أو مدّ طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته ، فأخرجت الخناجر والسيوف وأقبلوا عليهم للقتل ، فكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره فيرق له ولا يمكنه أن يقتله ، فقالوا : يا موسى كيف نفعل ، فأرسل اللّه عليهم سحابة سوداء تغشي الأرض كالدخان لئلا يعرف القاتل المقتول ، فشرعوا يقتلون من الغداة إلى العشي حتى قتلوا سبعين ألفا ، واشتد الكرب فبكى موسى وهارون فتضرعا إلى اللّه تعالى فانكشفت السحابة ونزلت التوبة ، وأوحى اللّه إلى موسى أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنة ، فكان من قتل منهم شهيدا ومن بقي مغفورا له خطيئته اه من الخازن .
قوله :ذلِكُمْ( القتل ) يعني أن الإشارة إلى المصدر المفهوم من فاقتلوا ، ومقتضاه أن فاتقلوا أنفسكم تفسير للتوبة ، وجرى عليه قوم ولا يلزم منه تفسير الشيء بنفسه ، بل التفسير عين المفسر من جهة الإجمال وغيره من جهة التفصيل وحينئذ فتسمى هذه الفاء فاء التفسير وفاء التفصيل لما في مضمونها من بيان الاجمال فيما قبلها اه كرخي .
قوله : ( فوفقكم لفعل ذلك ) أي للقتل بأن رضي المجرمون واستسلموا وامتثل البريئون وقتلوا ، وأشار المفسر بهذا إلى أن قوله تعالىفَتابَ عَلَيْكُمْمعطوف على مقدر ، وعلى هذا يكون قوله فتاب عليكم من كلام اللّه تعالى خاطبهم به على طريق الالتفات من التكلم الذي يقتضيه السياق إلى الغيبة ، إذ كان مقتضى الظاهر أن يقال فوفقتكم فتبت عليكم ، وعبارة أبي السعود قوله : فتاب عليكم وعطف على محذوف على أنه خطاب من اللّه سبحانه على سبيل الالتفات من التكلم الذي يقتضيه سياق النظم الكريم ، وسياقه فإن مبنى الجميع على التكلم إلى الغيبة ، وجوز بعضهم أن يكونفَتابَ عَلَيْكُمْمن جملة كلام موسى لقومه وأنه جواب لشرط محذوف تقديره : إن فعلتم ما أمرتم به فقد تاب عليكم ولا يخفى أنه بمعزل من اللياقة بجلالة شأن التنزيل لأنه على هذا يكون حكاية لوعد موسى عليه السّلام قومه بقبول توبتهم وقد عرفت أن الآية الكريمة تفصيل لكيفية القبول المحكي فيما قبل وأن المراد تذكير