تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
الصَّالِحِينَ
( 46 )
قالَتْ رَبِّ أَنَّى
كيف
يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
بتزوج ولا غيره
قالَ
الأمر
كَذلِكِ
من خلق ولد منك بلا أب
اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً
أراد خلقه
فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ
شرح
المضاف أي في زمان المهد ومدته ، والذي تكلم به في المهد سيأتي في سورة مريم حيث قال : إني عبد اللّه الخ . وبعد ما تكلم بهذا الكلام سكت ، فلم يتكلم حتى بلغ أوان النطق عادة ، وفي الخازن ويحكى أن مريم قالت : كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني وحدثته ، فإذا شغلني عنه إنسان سبّح وهو في بطني وأنا أسمع اه . وقوله :وَكَهْلًاأي وحالة كونه كهلا فهو عطف على في المهد الواقع حالا من فاعل يكلم ، والمراد أنه يكلم الناس وهو كهل بكلام الأنبياء ، والدعوة إلى اللّه فهو إشارة إلى نبوته ، وزمن الكهولة من الثلاثين سنة إلى الأربعين ، وفي وصفه بهذه الصفات المتغايرة إشارة إلى أنه بمعزل عن الألوهية ، ففيه رد على النصارى كأنه قال : لو كان إلها كما زعمتم ما اعتراه هذا التغير من كونه صبيا وكهلا وغير ذلك اه شيخنا . وفي الكرخي : وفائدة البشارة بكلامه كهلا والناس في ذلك سواء البشارة بحياته إلى سن الكهولة وعدم التفاوت بين كلامه كهلا وكلامه طفلا ، فالمعجزة في انتفاء التفاوت لا في الكلام في الكهولة فقط اه . قوله :وَمِنَ الصَّالِحِينَأي من العباد الصالحين مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وغيرهم من الأنبياء اه خازن . وعبارة الكرخي قوله :وَمِنَ الصَّالِحِينَأي الكاملين في الصلاح ، فلا يرد السؤال وهو لم ختم الصفات المذكورة بقوله ومن الصالحين مع أن الوجاهة في الدنيا فسرت بالنبوة ، ولا شك أن منصب النبوة أرفع من منصب الصلاح ، بل كل واحدة من الصفات المذكورة أشرف من كونه صالحا ، فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بالصلاح ؟ وإيضاح الجواب أنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحا لأنه لا يكون كذلك إلا إذا كان في جميع الأفعال والتروك مواظبا على المنهج الأصلح ، وذلك يتناول جميع المقامات في الدين والدنيا في أفعال القلوب ، وفي أفعال الجوارح ، ولهذا قال سليمان عليه الصلاة والسّلام بعد النبوة : وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ، فلما عدد صفات عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم أردفها بهذا الوصف الدال على أرفع الدرجات ، انتهت . قوله :أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌاستفهام حقيقي عن كيفية خلقه منها . هل يكون وهي بهذه الحالة عزبا أو بعد أو تتزوج ؟ فأجابها بأنه يخلقه منها وهي على هذه الحالة ، ولذا قال الشارح : من خلق ولد منك بلا أب اه شيخنا . وقوله : ( بتزوج ولا غيره ) أي لأنها كانت محررة بنذر أمها ، والمحررة بحسب اصطلاحهم لا تتزوج أبدا كالذكر المحرر اه من الكرخي . قوله :كَذلِكِخبر مبتدأ محذوف كما قدره الشارح ، فالوقف على كذلك قوله :يَخْلُقُ ما يَشاءُعبر هنا بالخلق ، وفي قصة يحيى بالفعل لما أن ولادة العذراء من غير أن يمسها بشر أبدع وأغرب من ولادة عجوز عاقر من شيخ ، فكأن الخلق المنبىء عن الاختراع أنسب بهذا المقام من مطلق الفعل اه أبو السعود .