مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
( 44 ) في كفالتها فتعرف ذلك فتخبر به وإنما عرفته من جهة الوحي ، اذكر
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ
أي جبريل
يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ
أي ولد
اسْمُهُ
شرح
الإلقاء بالاستفهام إذ لا يعمل فيه ما قبله ولا هو مما تحكي بعده الجمل ، وقدره صاحب المفتاح ليعلموا . قال شيخ الإسلام إن قلت كيف نفي وجود النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في زمن مريم مع أنه معلوم عندهم وترك ما كانوا يتوهمونه من استماعه ذلك الخبر من حفاظه ؟ قلنا : لأنهم يعلمون أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أمي لا يقرأ ولا يكتب ، وإنما كانوا منكرين للوحي ، فنفي اللّه والوجود الذي هو في غاية الاستحالة على وجه التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم أنه لا قراءة له ولا رواية ، وقد أشار الشيخ إلى ذلك اه .
وفي السمين ، هذه الجملة منصوبة المحل لأنها معلقة لفعل محذوف ، وذلك الفعل في محل نصب على الحال تقديره يلقون أقلامهم ينظرون أيهم يكفل مريم اه .
قوله :وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَهذا التكرير مع تحقق المقصود بعطف إذ يختصمون على إذ يلقون للدلالة على أن كل واحد من عدم حضوره عند إلقاء الأقلام ، وعدم حضوره عند الاختصام مستقل بالشهادة على نبوته اه أبو السعود .
قوله :إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُالخ شروع في قصة عيسى عليه السّلام . وإذ معمول لمحذوف كما قدره الشارح ، ويصح أن يكون العامل فيه يختصمون أي يختصمون حين قالت الملائكة ، على أن وقوع الاختصام والبشارة في زمن متسع كقولك لقيته سنة كذا ، وإنما احتيج إلى هذا التقدير ليصح جواز الابدال لاقتضائه اتحاد البدل والمبدل منه ، وهنا وقت الاختصام متقدم على وقت قول الملائكة بمدة ، فاحتيج في جواز الابدال إلى أن يعتبر زمان ممتد يقع الاختصام في بعض أجزائه والبشارة في بعض آخر ليصح بالنظر إلى ذلك الزمان أنهما في زمان واحد ، كقولك لقيته سنة كذا مع أنك لم تلقه إلا في جزء من أجزائها اه كرخي .
قوله :إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِالخ أولى المبشر به قوله بكلمة وآخره قوله ورسولا إلى بني إسرائيل وقوله قالت رب إلى قوله فيكون اعتراض في خلال المبشر به ، فالمبشر به نحو خمسة عشر شيئا كونه ولدا وكون اسمه كذا ، وكونه وجيها ، وكونه من المقربين ، وكونه يكلم الناس في المهد ، وكونه من الصالحين ، وكونه يعلم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ، وكونه رسولا إلى بني إسرائيل ، فهذا كله قاله لها الملك قبل وجود عيسى تأمل قوله :بِكَلِمَةٍ مِنْهُ( أي ولد ) وسمي هذا الولد كلمة لأنه وجد بكلمة ( كن ) فهو من باب إطلاق السبب على المسبب اه سمين .
والمراد أنه وجد من غير واسطة أب لأن غيره وإن وجد بتلك الكلمة لكنه بواسطة أب ، وقوله منه نعت لكلمة أي كلمة كائنة منه أي من اللّه أي مبتدأة وناشئة منه أي غير واسطة الأسباب العادية اه .
وفي أبي السعود في سورة النساء ما نصه : يحكى أن طبيبا حاذقا نصرانيا جاء الرشيد فناظر علي ابن الحسن الواقدي ذات يوم فقال له إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى جزء من اللّه وتلا هذه الآية أي قولهوَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ،فقرأ له الواقديوَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ،وقل إذا يلزم أن تكون جميع تلك الأشياء جزءا منه سبحانه ، فانقطع النصراني وأسلم وفرح