يا محمد
إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
بمعنى أنه يثيبكم
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
لمن اتبعني ما سلف منه قبل ذلك
رَحِيمٌ
( 31 ) به
قُلْ
لهم
أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ
فيما يأمركم به من التوحيد
فَإِنْ تَوَلَّوْا
أعرضوا عن الطاعة
فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ
( 32 ) فيه إقامة الظاهر مقام
شرح
الشنوف وهم يسجدون لها ، فقال : « يا معشر قريش ، واللّه لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل » فقالت قريش : إنما نعبدها حبا للّه لتقربنا إليه زلفى ، فنزلت هذه الآية . وقيل : إن نصارى نجران قالوا :
إنما نقول هذا القول في عيسى حبا للّه وتعظيما له ، فأنزل اللّه : قل يا محمدإِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَفي ما تزعمونفَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ،لأنه قد ثبتت نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالدلائل الظاهرة ، والمعجزات الباهرة ، فوجب على كافة الخلق متابعته ، والمعنى : قال إن كنتم صادقين في ادعاء محبة اللّه فكونوا منقادين لأوامره مطيعين له ، فاتبعوني فإن اتباعي من محبة اللّه تعالى وطاعته ، انتهت .
قوله : ( إلّا حبا ) حال أي ما نعبدهم إلا في حالة كوننا محبين للّه ، وقوله :لِيُقَرِّبُوناتعليل لعبادتهم المذكورة اه شيخنا .
قوله :إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَالمحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه بحيث يحملها على ما يقربها أي النفس إليه ، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا للّه عز وجل ، وأن كل ما يراه كمالا من نفس أو من غيره ، فهو من اللّه وباللّه وإلى اللّه لم يكن حبه إلا للّه وفي اللّه ، وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه ، فلذلك فسّرت المحبة بإرادة الطاعة ، وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في عبادته والحرص على مطاوعته اه كرخي .
قوله : ( بمعنى انه يثيبكم ) أي أو يرضى عنكم ، وفيه إشارة إلى أن التعبير بالمحبة على طريق الاستعارة أو المقابلة أي المشاكلة ، وإلا فقد عرفت أن المحبة هي ميل النفس إلى الشيء ، وهذا مستحيل على اللّه تعالى ، وقال الإمام : اتفق المتكلمون على أن المحبة نوع من أنواع الإرادة ، والإرادة لا تعلق لها إلا بالحوادث والمنافع يستحيل تعلقها بذات اللّه تعالى وصفاته ، فإذا قيل إن العبد يحب اللّه فمعناه يحب طاعته وخدمته ويحب ثوابه وإحسانه ، وأما محبة اللّه للعبد فهي عبارة عن إرادة إيصال الخير والمنافع في الدين والدنيا إليه ، وأما العارفون فقد قالوا : العبد قد يحب اللّه لذاته وأما حبه لثوابه فهي درجة نازلة اه كرخي .
قوله :وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌتذييل مقرر لما قبله ، وقوله : ( ما سلف ) مفعول غفور ، وقوله : ( قبل ذلك ) أي الاتباع . قوله :قُلْلهم أي لقريش . قوله : ( من التوحيد ) أي فهذا من ذكر الخاص بعد العام تنبيها على تأكيد شأن التوحيد اه .
قوله :فَإِنْ تَوَلَّوْاهذا الفعل يحتمل وجهين ، أحدهما : أن يكون مضارعا والأصل تتولوا ، فحذف إحدى التاءين ، وعلى هذا فالكلام جار على نسق واحد وهو الخطاب ، والثاني : أن يكون فعلا ماضيا مستندا لضمير الغيبة ، فيجوز أن يكون من باب الالتفات ، ويكون المراد بالغيب المخاطبين في المعنى ، فيكون نظير قوله :حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ[ يونس : 22 ] اه سمين .
قوله : ( فيه إقامة الظاهر الخ ) وذلك لتعميم الحكم لكل الكفرة وللاشعار بعلته اه أبو السعود .