تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
وَفَضْلًا
رزقا خلفا منه
وَاللَّهُ واسِعٌ
فضله
عَلِيمٌ
( 268 ) بالمنفق
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ
العلم النافع المؤدي إلى العمل
مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
لمصيره إلى السعادة
شرح
وفي هذه الآية لطيفة وهي أن الشيطان يخوف الرجل أولا بالفقر ، ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء ، وهو البخل ، وذلك لأن البخل صفة مذمومة عند كل أحد ، فلا يستطيع الشيطان أن يحسن له البخل إلا بتلك المقدمة ، وهي التخويف من الفقر ، فلهذا قال الشيطان : يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء اه خازن . قوله :وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُأي بسبب الانفاق . كقوله :إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ[ هود : 114 ] وقوله : خلفا منه كقوله :وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ[ سبأ : 39 ] اه . قوله : ( خلفا منه ) أي من اللّه تعالى أو مما أنفقتم ، وفيه تكذيب للشيطان في وعده بالفقر اه من أبي السعود . قوله :عَلِيمٌ( بالمنفق ) بصيغة اسم المفعول . وعبارة الخازن : بما تنفقونه اه . روي عن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة به فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من اللّه فليحمد اللّه . ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان » ، ثم قرأ قوله تعالى :الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ،أخرجه الترمذي وقال : هذا حديث حسن غريب . وقوله : إن للشيطان لمة بابن آدم اللمة : الخطرة الواحدة من الالمام وهو القرب من الشيء ، والمراد بهذه اللمة التي تقع في القلب من فعل خير أو شر فأما لمة الشيطان فوسوسته ، وأما لمة الملك فإلهام من اللّه تعالى . وروى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان يقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا » اه . قوله :يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُاختلف العلماء في الحكمة ، فقال السدي : هي النبوة ، وابن عباس : هي المعرفة ، بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدمه ومؤخره . وقال قتادة ومجاهد : الحكمة الفقه في القرآن ، وقال مجاهد : الإصابة في القول والفعل ، وقال ابن زيد الحكمة الفقه في الدين ، وقال مالك بن أنس : الحكمة المعرفة بدين اللّه والفقه فيه والاتباع له . روى عنه ابن قاسم أنه قال : الحكمة التفكر في أمر اللّه تعالى والاتباع له ، وقال أيضا : الحكمة طاعة اللّه تعالى والفقه في الدين والعمل به ، وقال الربيع بن أنس : الحكمة الخشية . وقال إبراهيم النخعي : الحكمة الفهم في القرآن ، وقال الحسن : الحكمة الورع . قلت : وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السدي والربع والحسن قريب بعضها من بعض ، لأن الحكمة مصدر من الإحكام ، وهو الإتقان في عمل أو قول ، وكل ما ذكر في قول من الأقوال فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس ، فكتاب اللّه تعالى حكمة وسنة نبيه حكمة ، وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه ، فقيل للعلم حكمة لأنه يمتنع به من السفه وكل فعل قبيح ، وكذا القرآن والعقل والفهم ، وقد