لهم ماله
وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
( 207 ) حيث أرشدهم لما فيه رضاه . ونزل في عبد اللّه بن سلام وأصحابه لما عظموا السبت وكرهوا الإبل بعد الإسلام
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ
بفتح السين وكسرها الإسلام
كَافَّةً
حال من السلم أي في جميع شرائعه
وَلا تَتَّبِعُوا
شرح
كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فخلوني وخذوا مالي فقبلوا منه فأتى المدينة اه .
وفي الخطيب بعد ما قرر مثل هذا ما نصه ، فعلى هذا يكون يشري بمعنى يشتري لا بمعنى يبيع ويبذل اه .
فنلخص من مجموع هذا الكلام أن في الآية تقريرين تأمل . قوله :وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِومن رأفته أنه جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المنقطع ، ومن رأفته أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وأن المصرّ على الكفر ولو مائة سنة إذا تاب ولو لحظة أسقط عنه عقاب تلك السنين وأعطاه الثواب الدائم ، ومن رأفته أن النفس والمال له ثم إنه يشتري ملكه بملكه فضلا منه ورحمة وإحسانا اه كرخي .
قوله : ( وأصحابه ) أي ممن أسلم من اليهود ، قوله : ( لما عظموا السبت ) أي احترموه واستمروا على تعظيمه الذي كان في شريعة موسى ، ومن جملة تعظيمه تحريم الصيد فيه . وقوله : ( وكرهوا الإبل ) أي كرهوا لحومها وألبانها لحرمتها عليهم ، كما كان في شريعة موسى ، فلم يدخلوا في جميع شرائع الإسلام يعني لم يتلبسوا بالجميع ، لأن تعظيم السبت وتحريم الإبل ليس من شرائع الإسلام اه شيخنا .
وسبب تحريم الإبل عليهم أن يعقوب عليه السّلام أصابه عرق النساء بالفتح والقصر ، فنذر إن شفي من هذا المرض ألّا يأكل أحب الطعام إليه ولا يشرب أحب الشراب إليه ، وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها فحرمها على نفسه فحرما على بنيه تبعا له . وسيأتي هذا في قوله تعالى :كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ[ آل عمران : 93 ] . قوله :ادْخُلُوا فِي السِّلْمِأي تلبسوا واعملوا بجميع السلم أي بجميع أحكامه ، واتركوا ما كنتم عليه من شريعة موسى المخالفة لملة الإسلام اه شيخنا .
قوله : ( بفتح السين وكسرها ) عبارة السمين قرأ هنا السلم بالفتح . نافع ، والكسائي ، وابن كثير والباقون بكسرها أما التي في الأنفال ، فلم يقرأها بالكسر إلا أبو بكر وحده عن عاصم ، والتي في القتال فلم يقرأها بالكسر إلا حمزة وأبو بكر أيضا ، وسيأتي : فقيل : هما بمعنى وهو الصلح ويذكر ويؤنث .
قال تعالى :وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها[ الأنفال : 61 ] وأصله من الاستسلام وهو الانقياد ، ويطلق على الإسلام ، قاله الكسائي وجماعة اه . وفي البيضاوي : السلم بالكسر والفتح الاستسلام والطاعة ، ولذلك يطلق على الصلح والإسلام فتحه ابن كثير ونافع والكسائي ، وكسره الباقون اه .
قوله : ( حال من السلم ) قد عرفت أنه يذكر ويؤنث ، فلذلك أنّث هنا ، فقيل : كافة ، ولم يقل كافا اه .
قوله : ( أي في جميع شرائعه ) أي فلا تخالفوا في بعضها الذي خالف شريعة موسى كعدم تعظيم السبت وعدم كراهة الإبل ، فخالفتم في هذين الحكمين وعظمتم السبت وكرهتم الإبل اه .