خضر تسرح في الجنة حيث شاءت لحديث بذلك
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
( 154 ) تعلمون ما هم فيه
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ
للعدو
وَالْجُوعِ
القحط
وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ
بالهلاك
وَالْأَنْفُسِ
شرح
والوجع ، ففيه دليل على أن المطيعين للّه يصل إليهم ثوابهم وهم في قبورهم في البرزخ ، وكذا العصاة يعذبون في قبورهم . فإن قلت : نحن نراهم موتى فما معنى قوله بل أحياء ، وما وجه النهي في قوله ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أموات ؟ قلت : معناه لا تقولوا أموات بمنزلة غيرهم من الأموات ، بل هم أحياء تصل أرواحهم إلى الجنان ، كما ورد « أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة » فهو أحياء من هذه الجهة ، وإن كانوا أمواتا من جهة خروج الروح من أجسادهم ، وجواب آخر : وهو أنهم أحياء عند اللّه تعالى في عالم الغيب لأنهم صاروا إلى الآخرة ، فنحن لا نشاهدهم كذلك ، ويدل على ذلك قوله تعالى :وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَأي لا ترونهم أحياء فتعلموا ذلك حقيقة ، وإنما تعلمون باخباري إياكم به . فإن قلت : أليس ذلك سائر المطيعين من المسلمين للّه يصل إليهم من نعيم الجنة في قبورهم ، فلم خص الشهداء بالذكر . قلت : إنما خصهم لأن الشهداء فضلوا على غيرهم بمزيد النعيم ، وهو أنهم يرزقون من مطاعم الجنة ومأكلها ، وغيرهم ينعمون بما دون ذلك . وجواب آخر : وهو أنه ردّ لقول من قال : من قتل في سبيل اللّه قد مات وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها ، فأخبر اللّه تعالى بقوله :بَلْ أَحْياءٌفإنهم في نعيم دائم اه خازن .
قوله : ( أرواحهم في حواصل طيور الخ ) بمعنى أن الطيور للأرواح كالهوادج للجالس فيها اه شيخنا .
قوله : ( تعلمون ما هم فيه ) أي من الكرامة والنعيم وهو تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس من الحيوانات ، وإنما هي أمر لا يدرك إلا بالكشف والوحي . هذا ما عليه أكثر المفسرين . قال ابن عادل : يحتمل أن حياتهم بالجسد وإن لم تشاهد ، وأيده بأن حياة الروح ثابتة لجميع الأموات بالاتفاق ، فلو لم تكن حياة الشهيد بالجسد لاستوى هو وغيره ، ولم يكن له مزية .
وسيأتي لهذا مزيد بيان في آل عمران اه كرخي .
قوله :وَلَنَبْلُوَنَّكُمْهذا جواب قسم محذوف ، ومتى كان جوابه مضارعا مثبتا مستقبلا وجب قرنه باللام وإحدى النونين خلافا للكوفيين حيث يعاقبون بينهما ، ولا يجيز البصريون وذلك إلا في ضرورة وفتح الفعل المضارع لاتصاله بالنون ، وقد تقدم تحقيق ذلك وما فيه من الخلاف اه سمين .
قوله : ( للعدو ) اللام زائدة أو بمعنى من . وقوله : ( القحط ) تفسير بالسبب فإن القحط احتباس المطر وهو سبب للجوع اه شيخنا .
قوله :مِنَ الْأَمْوالِفيه ثلاثة أوجه ، أحدها : أن يكون متعلقا بنقص لأنه مصدر نقص . الثاني :
أن يكون في محل نصب صفة لمفعول محذوف نصب بهذا المصدر المنون ، والتقدير ونقص شيئا كائنا من كذا . ذكره أبو البقاء ، وتكون من على هذا للتبعيض . الثالث : أن يكون في محل جر صفة لنقص فيتعلق بمحذوف أيضا أي نقص كائن من كذا ، وتكون من لابتداء الغاية اه سمين .