تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
يُعَلِّمانِ مِنْ
زائدة
أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا
له نصحا
إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ
بلية من اللّه للناس ليمتحنهم
شرح
تعالى هذين الملكين ليعلما الناس أبواب السحر ، حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الكذابين وإظهار أمرهم على الناس ، وأما ما يحكى من أن الملائكة عليهم السّلام لما رأوا ما يصعد من ذنوب بني آدم عيّروهم ، وقالوا للّه سبحانه : هؤلاء الذين اخترتهم لخلافة الأرض يعصونك ، فقال عز وجل : لو ركبت فيكم ما ركبت فيهم لعصيتموني . قالوا : سبحانك ما ينبغي لنا أن نعصيك . قال تعالى : فاختاروا من خياركم ملكين ، فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلحهم وأعبدهم فأهبطا إلى الأرض بعد ما ركّب فيهما ما ركّب من البشر من الشهوة وغيرها من القوى ليقضيا بين الناس نهارا ، ويعرجا إلى السماء مساء ، وقد نهيا عن الإشراك والقتل بغير الحق وشرب الخمر والزنا وكانا يقضيان بينهم نهارا ، فإذا أمسيا ذكرا اسم اللّه الأعظم فصعدا إلى السماء ، فاختصمت إليهما ذات يوم امرأة من أجمل النساء تسمى زهرة وكانت من لخم ، وقيل : كانت من أهل فارس ملكة في بلدها ، وكانت خصومتها مع زوجها ، فلما رأياها افتتنا بها فراوداها عن نفسها فأبت فألحا عليها ، فقالت : لا إلا أن تقضيا لي على خصمي ففعلا ثم سألاها ما سألا ، فقالت : لا إلا أن تقتلاه ففعلا ، ثم سألاها ما سألا فقالت لا إلا أن تشربا الخمر وتسجدا للصنم ففعلا كل ذلك ، ثم سألاها ما سألا فقالت : لا إلا أن تعلماني ما تصعدان به إلى السماء فعلماها الاسم الأعظم فدعت به وصعدت السماء فمسخها اللّه سبحانه كوكبا ، فهمّا بالعروج على حسب عادتهما فلم تطعهما أجنحتهما ، فعلما ما حلّ بهما ، وكان ذلك في عهد إدريس عليه الصلاة والسّلام فالتجآ إليه ليشفع لهما ففعل ، فخيّرهما اللّه بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختار الأول لانقطاعه عما قيل ، فهما معذبان ببابل . قيل : معلقان بشعورهما وقيل منكوسان يضربان بسياط الحديد إلى قيام الساعة ، فمما لا تعويل عليه لما أن مداره رواية اليهود مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقل اه أبو السعود ، ومثله في الخازن . ثم قال ؛ وقيل أن رجلا من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قصدهما ليتعلم السحر منهما فوجدهما معلقين بأرجلهما مزرقة عيونهما مسودة جلودهما ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا قدر أربع أصابع ، وهما يعذبان بالعطش ، فلما رأى ذلك هاله ، فقال : لا إله إلا اللّه ، فلما سمعا كلامه قالا : لا إله إلا اللّه من أنت ؟ قال : أنا رجل من الناس ، فقالا : من أي أمة أنت ؟ قال : من أمه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . قالا : أو قد بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قال : نعم ، فقالا : الحمد للّه وأظهرا الاستبشار ، فقال الرجل : مم استبشاركما ؟ قالا : إنه نبي الساعة وقد دنا انقضاء عذابنا اه . وقول أبي السعود لما أن مداره رواية اليهود يقتضي أن هذه القصة غير صحيحة ، وأنها لم تثبت بنقل معتبر ، وتبع في ذلك البيضاوي التابع في ذلك الفخر الرازي والسعد التفتازاني وغيرهما ممن أطال في ردها ، لكن قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري : الحق كما أفاده شيخنا حافظ عصره الشهاب ابن حجر أن لها طرقا تفيد العلم بصحتها ، فقد رواها مرفوعة الإمام أحمد ، وابن حبان ، والبيهقي وغيرهم ، وموقوفة على علي ، وابن مسعود ، وابن عباس وغيرهم بأسانيد صحيحة ، والبيضاوي لما استبعد هذا المنقول ولم يطلع عليه قال : إنه محكي على اليهود ، ولعله من رموز الأولين الخ اه خطيب . قوله :وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍهذه الجملة عطف على ما قبلها ، والضمير في يعلمان فيه قولان ،
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 131 | إبراهيم شمس الدين / سليمان بن عمر العجيلي الشافعي