كفروا
وَ
يعلمونهم
وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
أي ألهماه من السحر ، وقرىء بكسر اللام الكائنين
بِبابِلَ
بلد في سواد العراق
هارُوتَ وَمارُوتَ
بدل أو عطف بيان للملكين قال ابن عباس هما ساحران كانا يعلمان السحر وقيل ملكان أنزلا لتعليمه ابتلاء من اللّه للناس
وَما
شرح
ما لطف ودق . يقال : سحره إذا أبدى له أمرا يدق عليه ويخفى ، وهو في الأصل مصدر يقال سحره سحرا ، ولم يجئ مصدر لفعل يفعل على فعل إلى سحرا وفعلا اه سمين .
وقال الغزالي في الإحياء ما نصه : السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر وبأمور حسابية في مطالع النجوم ، فيتخذ من تلك الخواص هيكل على صورة الشخص المسحور ، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع ، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع ، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين ، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء اللّه العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور اه .
قوله : ( ويعلمونهم ما أنزل ) أشار به إلى أن ما الموصولة في محل نصب عطفا على السحر وسوغ عطفه عليه تغايرهما لفظا ، أو المراد بما أنزل على الملكين نوع أقوى من السحر ، فالتغاير بالحقيقة لا بالاعتبار اه كرخي .
قوله : ( وقرىء بكسر اللام ) أي شاذا ، وأشار به إلى تأييد القول بأن المنزل عليهما علم السحر كانا رجلين سميا ملكين باعتبار صلاحهما ، ووجه التأييد أنهم أجروا الشاذ مجرى أخبار الآحاد في الاحتجاج لأنه مقول عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا يلزم من انتفاء قرآنيته انتفاء عموم خبريته اه كرخي .
قوله :بِبابِلَمتعلق بأنزل ، والباء بمعنى في أي في بابل ، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من الملكين ، أو من الضمير في أنزل فيتعلق بمحذف ، ذكر هذين الوجهين أبو البقاء ، وبابل لا ينصرف للعجمة والعلمية فإنها اسم أرض ، وإن شئت قلت للتأنيث والعلمية ، وسميت بذلك لتبلبل ألسنة الخلائق بها ، وذلك أن اللّه تعالى أمر ريحا فحشرتهم لهذه الأرض ، فلم يدر أحد ما يقول الآخر ، ثم فرقتهم الريح في البلاد يتكلم كل واحد بلغة ، والبلبلة التفرقة . وقيل : لما أهبط نوح عليه السّلام نزل فبنى قرية وسماها ثمانين فأصبح ذات يوم وقد تبلبت ألسنتهم على ثمانين لغة . وقيل : لتبلبل ألسنة الخلق عند سقوط صرح نمروذ اه سمين .
قوله :هارُوتَ وَمارُوتَالجمهور على فتح تائهما وهما غير منصرفين للعلمية والعجمة لأنهما سريانيان ، ويجمعان على هواريت ومواريت هوارية وموارية ، وليس من زعم اشتقاقهما من الهرت والمرت وهو الكسر بمصيب لعدم انصرافهما ، ولو كانا مشتقين كما ذكر لانصرفا اه من السمين وغيره .
قوله : ( ابتلاء من اللّه للناس ) أي امتحانا واختبارا لهم هل يتعلمونه أو لا ؟ كما ابتلى قوم طالوت بالشرب من النهر ، وقيل : إنما أنزل لتعليمه للتمييز والفرق بينه وبين المعجزة لئلا يغتر به الناس ، وذلك أن السحرة كثروا في ذلك الزمان ، واستنبطوا أبوابا غريبة من السحر ، وكانوا يدعون النبوة فبعث اللّه