الإشارة : واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم ، أي : خذوا في الجد والاجتهاد في اتباع الأحسن والأرجح ، في الأفعال ، والأقوال ، والعقائد ، من قبل أن ينزل بكم العذاب . ولا عذاب أشد من الحجاب ، والتخلف عن مقامات الأحباب ، في وقت لا ينفع التأسف ولا التحسر . قال القشيري : هذا في أقوام يرون أمثالهم وأشكالهم ، تقدّموا عليهم في أحوالهم ، فشكوا ما سلف من تقصيرهم ، ويرون ما وفّق أولئك إليه من أعالي الرّتب ، فيعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة . ه . وفي ذلك قيل وأنشد :
السّباق السّباق قولا وفعلا * حذر النّفس حسرة المسبوق
وهو معنى قوله :
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ
كانت مقصّرة في الدنيا :
يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
أي : في السير إلى معرفة ذاته ،
وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ
ممن يتعاطى ذلك ، ويخرب ظاهره لتعمير باطنه ، فكنت أسخر منه وأضحك عليه ، أو تحتج بالقدر ، فتقول : لو أن اللّه هداني لسلوك طريقه لكنت من المتقين الكاملين في التقوى .
ولا ينفع الاحتجاج بالقدر في دار التكليف مع بيان الطريق . أو تقول حين ترى العذاب ، وهو فراق الأحباب والتخلف عنهم : لو أن لي كرة إلى الدنيا ، فأجهد نفسي حتى أكون من أهل الإحسان ، الذين يعبدون اللّه على العيان ، بلى قد جاءتك آياتي ، وهم الدعاة إلىّ في كلّ زمان
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
، فكذّبت بها ، واستكبرت عن الخضوع لهم ، وكنت من الجاحدين لطريق التربية .
ثم ذكر مآل أهل التكذيب والصدق ، فقال :
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 60 إلى 61 ]
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ( 60 ) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 61 )
يقول الحق جل جلاله :
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ
، بأن وصفوه بما لا يليق بشأنه ، كاتخاذ الولد والشريك ونفى الصفات عنه ،
وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ
بما ينالهم من الشدة والكآبة . والجملة : حال ، على أن الرّؤية بصرية ، أو : مفعول ثان لها ، إن كانت علمية .
أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً
أي : مقام
لِلْمُتَكَبِّرِينَ
عن الإيمان والطاعة ، وهو إشارة إلى قوله :
وَاسْتَكْبَرْتَ
، ولا ينافي إشعاره بأن تكبرهم علة لاستحقاقهم النّار أن يكون دخولهم فيها ؛ لأجل أن كلمة العذاب حقّت عليهم ؛ لأن كبرهم مسبب عنها .