تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
وقال الورتجبي : صورة الآية وقعت على الجاحدين والمتكبرين ، الذين ليس في محبتهم إلا متابعة الأشكال والأمثال ، من حيث التشبيه والخيال ؛ لأن قلوبهم خلقت على مشاكلة الأضداد والأنداد ، ولم يكن في قلوبهم سجية أهل المعرفة باللّه ، فإذا سمعوا ذكر من لا يدخل في الخيال والمثال انقبضت قلوبهم وصدورهم ، ونفرت ، وإذا سمعوا ذكر غير اللّه من الصور والأشباح ، سكنت نفوسهم إليها من غاية غباوتهم ، وكمال جهالتهم ، فهم مثل الصبيان ، إذ هم يفرحون بالأفراس الطينية والأسد الخشبية ، ولا يطيقون أن ينظروا إلى عدو العاديات ، وإلى الضراغم الباديات . . ه . مختصرا . ولقد بالغ في بيان حالتيهم المتقابلتين ؛ حيث ذكر الغاية فيهما ، فإن الاستبشار : هو أن يمتلئ القلب سرورا ، حتى تنبسط له بشرة الوجه وتتهلل ، والاشمئزاز : أن يمتلئ القلب غيظا وغمّا ، حتى ينقبض منه أديم الوجه ، فتظهر عليه الكآبة والحزن . والعامل في
إِذا
الأولى : « اشمأزت » ، وفي الثانية : ما هو العامل في « إذا » الفجائية ، والتقدير : وقت ذكر الذين من دونه فاجأوا وقت الاستبشار . ثم أمر نبيه بالالتجاء إليه حين إدبارهم ، فقال :
قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : يا فاطر ، وليس بوصف ، خلافا للفراء والمبرّد ، أي : اللهم يا مظهر السماوات والأرض ،
عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
أي : ما غاب من أسرار ذاتك وما ظهر ، أو : السر والعلانية ، أي : التجئ إليه تعالى إذا اغتممت من شدة شكيمتهم في المكابرة والعناد ؛ فإنه القادر على الأشياء بجملتها ، والعالم بالأحوال برمتها .
أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
أي : حكما يسلمه كلّ مكابر ومعاند ، ويخضع له كلّ عات ومارد ، فاحكم بيني وبين معاندى ، بالنصر عليهم في الدنيا والآخرة . وعن ابن المسيّب « 1 » : « ما أعرف آية قرئت فدعى عندها إلا أجيب سوى هذه » . يعنى أنه صلّى اللّه عليه وسلم دعا اللّه أن يحكم بينه وبين عدوه بالاستئصال ، فأمهل ؛ لأنه رحمة . وعن الرّبيع بن خثيم - وكان قليل الكلام - : أنه أخبر بقتل الحسين رضي اللّه عنه ، وقالوا : الآن يتكلم ، فما زاد على أن قال : أو قد فعلوا ؟ ، وقرأ :
اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. . . الآية ، ثم قال على إثرها : قتل من كان رسول صلّى اللّه عليه وسلم يجلسه في حجره ، ويقبل فاه « 2 » . ه . الإشارة : ينبغي للمؤمن أن يكون متعاكسا مع المشرك ، إذا سمع كلمة التوحيد « لا إله إلا اللّه » ، فرح وانبسط ، وإذا ذكر اللغو واللعب اشمأز وانقبض ، والعابد أو الزاهد إذا سمع ما يدل على الطاعة والاستعداد للآخرة فرح ونشط ،
هامش
( 1 ) في النّسفى : الربيع بن المسيب . ( 2 ) انظر : تفسير النّسفى ( 2 / 185 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 86 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان