تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
يسحبون على وجوههم ، فينهكمون في الدنيا في الحظوظ والشهوات ، وفي الآخرة في نار البعد والقطيعة ، على دوام الأوقات ، ويقال لهم : ذوقوا مرارة الحجاب وسوء الحساب ، وكلّ هذا بقدر وقضاء سابق ، كما قال تعالى :

[ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 49 إلى 55 ]

إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ( 49 ) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 ) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 51 ) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ( 52 ) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ( 53 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 ) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ( 55 ) يقول الحق جل جلاله :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
أي : بتقدير سابق في اللوح قبل وقوعه ، قد علمنا حاله وزمانه قبل ظهوره ، أو : خلقناه كلّ شئ مقدّرا محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة ، و « كل » : منصوب بفعل يفسره الظاهر . وقرىء بالرفع شاذا ، والنّصب أولى ؛ لأنه لو رفع لأمكن أن يكون « خلقنا » صفة لشئ ، ويكون الخبر مقدرا ، أي : إنا كلّ شئ مخلوق لنا حاصل بقدر ، فيكون حجة للمعتزلة ، باعتبار المفهوم ، وأن أفعال العباد غير مخلوقة للّه . فلم يسبق لها قدر ، تعالى اللّه عن قولهم ، ويجوز أن يكون الخبر : « خلقناه » ، فلا حجة فيه ، ولا يجوز في النّصب أن يكون « خلقنا » صفة لشئ ؛ لأنه يفسر النّاصب ، والصفة لا تعمل في الموصوف ، وما لا يعمل لا يفسر عاملا . قال أبو هريرة : جاء مشركو قريش إلى النّبى صلّى اللّه عليه وسلم يخاصمونه في القدر ، فنزلت الآية « 1 » ، وكان عمر يحلف أنها نزلت في القدرية ، أي : على طريق الإخبار بالغيب .
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ
أي : كلمة واحدة ، سريعة التكوين ، وهو قوله تعالى :
كُنْ *
أي : وما أمرنا لشئ نريد تكوينه إلّا أن نقول له : كن ، فيكون ، أو : إلّا فعلة واحدة ، وهو الإيجاد بلا معالجة ،
كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
في السرعة ، أي : على قد ما يلمح أحد ببصره ، وقيل : المراد سرعة القيامة ، لقوله تعالى :
وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ
« 2 » .
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ
أي : أشباهكم في الكفر من الأمم ، وقيل : أتباعكم ،
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
؛ من متعظ بذلك
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ
من الكفر والمعاصي مكتوب على التفصيل
فِي الزُّبُرِ
؛ في ديوان الحفظة ،
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ
من الأعمال ، ومن كلّ ما هو كائن
مُسْتَطَرٌ
؛ مسطور في اللوح بتفاصيله .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في ( القدر ، باب كلّ شئ بقدر ، ح 2656 ) . ( 2 ) الآية 77 من سورة النّحل .