تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
فَدَعا رَبَّهُ
حين أيس منهم
أَنِّي مَغْلُوبٌ
أي : بأنى مغلوب من جهة قومي ، بتسليطهم علىّ ، فلم يسمعونى ، واستحكم اليأس من إجابتهم . قال القشيري : مغلوب بالتسلط لا بالحجة ، إذ الحجة كانت له . ه . وهذا جار فيمن لم يستجب لك ، تقول : غلبني . ثم دعا عليهم بقوله :
فَانْتَصِرْ
؛ فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم ، وذلك بعد تحقق يأسه منهم وعظم إذايتهم . فقد روى أن الواحد منهم كان يلقاه فيضربه حتى يغشى عليه ، فيقول : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ
؛ منصب بكثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما ، قال يمان : حتى طبق بين السماء والأرض « 1 » ، وقيل : كانوا يطلبون المطر سنين ، فأهلكوا بمطلوبهم . وفتح الأبواب كناية عن كثرة الأمطار ، وشدة أنصابها ، وقيل : كان في السماء يومئذ أبواب حقيقة .
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً
؛ وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر ، وهو أبلغ من قولك : وفجرنا عيون الأرض ، ومثله :
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
« 2 » في إفادة العموم والشمول ،
فَالْتَقَى الْماءُ
أي : مياه السماء ومياه الأرض ، وقرىء : « الماءان » « 3 » ، أي : النوعان من الماء السمائى والأرضي .
عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
أي : قضى في أم الكتاب ، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان ، أو : قدر أنّ الماءين يكون مقدارهما واحدا من غير تفاوت . قيل : كان ماء السماء باردا كالثلج ، وماء الأرض مثل الحميم ، ويقال : إنّ الماء الذي نبع من الأرض نضب ، والذي نزل من السماء بقي حارا .
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ
أي : أخشاب عريضة ، والمراد : السفينة ، وهي من الصفات التي تقوم مقام موصوفها كالشرح له ، وهو من فصيح الكلام ومن بديعه ،
وَدُسُرٍ
؛ ومسامير ، جمع : دسار ، وهو المسمار ، فعال من : دسره : إذا دفعه ؛ لأنه يدسر به منفذه .
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
أي . بمرأىّ منا ، أو : بحفظنا ، وهو حال من فاعل « تجرى » ، أي : تجرى محفوظة
جَزاءً
مفعول له ، أي : فعلنا ذلك جزاء
لِمَنْ كانَ كُفِرَ
وهو نوح عليه السّلام ، وجعله مكفورا ؛ لأن النّبى نعمة من اللّه ورحمة ، فكان نوح نعمة مكفورة . وقرأ مجاهد بفتح الكاف ، أي : عقابا لمن كفر باللّه . قيل : ما نجا من الغرق إلّا عوج بن عنق ، كان الماء إلى حجزته « 4 » ، وسبب نجاته : أنّ نوحا احتاج إلى
هامش
( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره 7 / 428 . ( 2 ) من الآية 4 من سورة مريم . ( 3 ) عزاها في مختصر ابن خالويه ، وزاد في البحر المحيط ( 8 / 175 ) علىّ والحسن ومحمد بن كعب . ( 4 ) الحجزة : موضع التكة من السروال .