تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
والتعبير بالمضارع للدلالة على أنّ عنتهم إنما يلزم في استمرار طاعته لهم في كلّ ما يعرض من الأمور ، وأما طاعته في بعض الأمور استئلافا لهم ، فلا . انظر أبا السعود . وهذا يدل على أنّ بعض المؤمنين زيّن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الإيقاع ببني المصطلق تصديقا لقول الوليد ، وأنّ بعضهم كانوا يتصوّنون ويتحرّجون الوقوع بهم تأنيا وتثبتا في الأمر ، وهم الذين استثناهم اللّه بقوله :
وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ
، وأسنده إلى الكلّ تنبيها على أن أكثرهم تحرّجوا الوقوع بهم وتأنّوا ، وقيل : هم الذين امتحن اللّه قلوبهم للتقوى ، وهو تجديد للخطاب وتوجيه إلى بعضهم بطريق الاستدراك ، بيانا لبراءتهم عن أوصاف الأولين وإحمادا لأفعالهم ، أي : ولكنه - تعالى - جعل الإيمان محبوبا لديكم
وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ
حتى رسخ فيها ، ولذ كل صدر منكم ما يليق به من التثبت والتحرّج ، وحاصل الآية على هذا : واعلموا أنّ فيكم رسول اللّه ، فلا تقرّون معه على خطأ ، لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتّم ، ولكنّ اللّه حبّب إلى بعضكم الإيمان ، فلا يأمر إلا بما هو صواب من التأنّى وعدم العجلة . قلت : والأحسن في معنى الاستدراك : أنّ التقدير : لو يطعيكم في كثير من الأمر لعنتّم ، ولكن اللّه لا يقره على طاعتكم بل ينزل عليه الوحي بما فيه صلاحكم وراحتكم ؛ لأنّ اللّه حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم ، فلا يسلك بكم إلى ما يليق بشأنكم من الحفظ والعصمة . ثم قال :
وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ
ولذلك تحرجتم عمّا لا يليق مما لا يخير فيه مما يؤدى إلى عنتكم ، قال ابن عرفة : العطف في هذه الآية تدلى ؛ فالكفر أشدّها ، والفسوق دونه ، والعصيان أخفّ ؛ لصدقه على ترك المندوبات ، حسبما نقل ذلك البغداديون وحملوا عليه ، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم . ه .
أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
أي : أولئك المستثنون ، أو : المتصفون بالإيمان ، المزيّن في قلوبهم ، هم السالكون على طريق السّوى ، الموصل إلى الحق ، أي : أصابوا طريق الحق ، ولم يميلوا عن الاستقامة . والرّشد : الاستقامة على طريق الحق مع تصلّب فيه ، من : الرشادة ، وهي الصخرة الصماء .
فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً
أي : إفضالا من اللّه وإنعاما عليهم ؛ مفعول من أجله ، أي : حبّب وكرّه للفضل والنّعمة عليهم
وَاللَّهُ عَلِيمٌ
؛ مبالغ في العلم ، فيعلم أحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل ،
حَكِيمٌ
يفعل ما يفعل لحكمة بالغة . الإشارة : إن جاءكم خاطر سوء بنبأ سوء فتبينوا وتثبتوا ، ولا تبادروا بإظهاره ، خشية أن تصيبوا قوما بجهالة ، فتظنوا بهم السوء ، وتقعوا في الغيبة ، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ، فالمنافق قلبه على طرف لسانه ، إذا خطر فيه شئ نطق به ، فهذا هالك ، والمؤمن لسانه من وراء قلبه ، إذا خطر شئ نظر فيه ، ووزنه بميزان الشرع ، فإن كان