تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
؛ العادلين ، فيجازيهم أحسن الجزاء ، والقسط بالفتح : الجور ، وبالكسر : العدل ، والفعل من الأول : قسط فهو قاسط : جار ، ومن الثاني : أقسط فهو مقسط : عدل ، وهمزته للسلب ، أي : أزال القسط ، أي : الجور . والآية نزلت في قتال حدث بين الأوس والخزرج ، وذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ذهب يعود سعد بن عبادة ، فمرّ بمجلس من الأنصار ، فيه أخلاط من المسلمين والمنافقين ، فوقف صلّى اللّه عليه وسلم على المجلس ، ووعظ وذكّر ، فقال عبد اللّه ابن أبي : يا هذا ، لا تؤذنا في مجالسنا ، واجلس في موضعك ، فمن جاءك فاقصص عليه ، فقال عبد اللّه بن رواحة : بل أغثنا يا رسول اللّه وذكّرنا ، فارتفعت أصواتهما ، وتضاربوا بالنعال ، فنزلت الآية ، وقيل غير ذلك « 1 » . وفي الآية دليل على أنّ الباغي لا يخرج ببغيه عن الإيمان ، وأنه يجب نصرة المظلوم ، وعلى فضيلة الإصلاح بين النّاس .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
أي : منتسبون إلى أصل واحد ، وهو الإيمان الموجب للحياة الأبدية ، فيجب الاجتهاد في التآلف بينهما لتحقق الأخوة . والفاء في قوله :
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
للإيذان بأنّ الأخوة الدينية موجبة للإصلاح . ووضع المظهر مقام المضمر مضافا إلى المأمورين للمبالغة في تأكيد وجوب الإصلاح والتحضيض عليه ، وتخصيص الاثنين بالذكر ؛ لإثبات وجوب الإصلاح فيما فوق ذلك بطريق الأولى ؛ لتضاعف الفتنة والفساد فيه . وقيل : المراد بالأخوين : الأوس والخزرج . وقرأ يعقوب : « إخوتكم » بالجمع .
وَاتَّقُوا اللَّهَ
فيما تأتون وتذرون ، التي من جملتها : الإصلاح بين النّاس
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
؛ راجين أن ترحموا على تقواكم ، لأن التقوى تحملكم على التواصل والائتلاف ، وهو سبب نزول الرّحمة . الإشارة : النفس الطبيعية والرّوح متقابلان ، والحرب بينهما سجال ، فالنفس تريد السقوط إلى أرض الحظوظ والبقاء مع عوائدها ، والرّوح تريد العروج إلى سماء المعارف وحضرة الأسرار ، وبينما اتصال والتصاق ، فإن غلبت النفس هبطت بالروح إلى الحضيض الأسفل ، ومنعتها من العلوم اللدنية والأسرار الرّبانية ، وإن غلبت الرّوح ، عرجت بالنفس إلى أعلى عليين ، بعد تزكيتها وتصفيتها ، فتكسوها حلة الرّوحانية ، وينكشف لها من العلوم والأسرار ما كان للروح ، ولكلّ جند تقابل به ، فيقال من طريق الإشارة : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، بأن تؤخذ
هامش
( 1 ) والذي في الصحيح : ما أخرجه البخاري في ( الصلح ، باب ما جاء في الإصلاح بين النّاس ، ح 2691 ) ومسلم في ( الجهاد والسير ، باب في دعاء النّبى صلّى اللّه عليه وسلم وصبره على أذى المنافقين ح 1799 ) عن أنس بن مالك قال : قيل للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : لو أتيت عبد اللّه بن أبىّ ؟ قال : فانطلق إليه ، وركب حمارا ، وانطلق المسلمون ، وهي أرض سبخة ، فلما أتاه النّبى صلّى اللّه عليه وسلم قال : إليك عنى ، فو اللّه لقد آذاني نتن حمارك . فقال رجل من الأنصار : واللّه ؛ لحمار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أطيب ريحا منك ، قال : فغضب لعبد اللّه رجل من قومه . قال : فغضب لكلّ واحد منهما أصحابه ، قال : فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنعال ، قال : فبلغت أنها نزلت فيهم :وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما.