تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
فاتهمهم النّبى صلّى اللّه عليه وسلم وبعث إليهم « خالد بن الوليد » خفية مع عسكر ، وأمره أن يخفى عليهم قدومه ، ويتطلع عليهم ، فإن رأى ما يدلّ على إيمانهم ؛ أخذ زكاتهم ورجع ، وإن رأى غير ذلك ؛ استعمل فيهم ما يستعمل في الكفار ، فسمع خالد فيهم آذان صلاتي المغرب والعشاء ، فأخذ صدقاتهم ، ولم ير منهم إلا الطاعة ، فنزلت الآية « 1 » . وسمّى الوليد فاسقا لعدم تثبّته ؛ فخرج بذلك عن كمال الطاعة ، وفي تسميته بذلك زجر لغيره ، وترغيب له في التوبة ، واللّه تعالى أعلم بغيبه ، حتى قال بعضهم : إنها من المتشابه ، لما ثبت من تحقق إيمان الوليد . وقال أبو عمر في الاستيعاب : لا يصح أن الآية نزلت في قضية الوليد ؛ لأنه كان في زمن النّبى صلّى اللّه عليه وسلم من « 2 » ثمانية أعوام ، أو من عشرة ، فكيف يبعثه رسولا ؟ ! « 3 » ه . قلت : لا غرابة فيه ، وقد كان صلّى اللّه عليه وسلم يؤمّر أسامة بن زيد على جيش ، فيه أبو بكر وعمر ، مع حداثة سنّه ، كما في البخاري وغيره . وفي تنكير ( فاسق ) و ( نبأ ) شياع في الفسّاق والأنباء ، أي : إذا جاءكم فاسق أىّ فاسق كان ، بأيّ خبر
فَتَبَيَّنُوا
أي : فتوقفوا فيه ، وتطلّبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة ، ولا تعتمدوا قول من لا يتحرى الصدق ، ولا يتحامى الكذب ، الذي هو نوع من الفسوق . وفي الآية دليل على قبول خبر الواحد العدل ؛ لأنا لو توقفنا في خبره ؛ لسوّينا بينه وبين الفاسق ، ولخلا التخصيص به عن الفائدة . وقرأ الأخوان : « فتثبتوا » والتثبّت والتبيّن متقاربان ، وهما : طلب الثبات والبيان والتعرّف .
أَنْ تُصِيبُوا
أي : لئلا تصيبوا
قَوْماً بِجَهالَةٍ
: حال ، أي : جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة .
فَتُصْبِحُوا
؛ فتصيروا
عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ
؛ مغتمين على ما فعلتم ، متمنين أنه لم يقع ، والنّدم : ضرب من الغم ؛ وهو أن يغتم على ما وقع ، يتمنى أنه لم يقع ، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام في الجملة .
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ
فلا تكذبوا ، فإن اللّه يخبره ، فيهتك سر الكاذب ، أو : فارجعوا إليه واطلبوا رأيه ، ثم استأنف بقوله :
لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ
؛ لوقعتم في العنت ؛ وهو الجهد والهلاك .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند ( 4 / 279 ) والطبراني في الكبير ( 3 / 401 ) والطبري ( 26 / 123 ) وعبد الرّزاق في التفسير ( 2 / 231 ) وقال الهيثمي في المجمع ( 7 / 111 ) : « رواه الطبراني ، وفيه موسى بن عبيدة ، وهو ضعيف ، وانظر : تفسير ابن كثير ( 4 / 206 - 210 ) والفتح السماوي مع حاشية المحقق ( 3 / 1001 ) . ( 2 ) هكذا في الأصول ، وأظنه : « ابن » ( 3 ) لم أقف عليه بهذا اللفظ ، ولا على معناه ، وإنما وجدت ما يفيد ترجيح ابن عبد البر بأن الوليد لم يكن غلاما في هذا الوقت . راجع الاستيعاب ( 4 / 114 ) . وهذا أيضا ما رجحه ابن حجر في الإصابة ( 3 / 601 ) حيث قال : قلت : ومما يؤيد أنه كان رجلا : أنه كان قدم في فداء ابن عم أبيه « الحارث بن أبي وجزة بن أبي عمرو بن أمية » ، وكان أسر يوم بدر ، فافتداه بأربعة آلاف . حكاه أصحاب المغازي . ه .