تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
يقول الحق جل جلاله :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
أي : تقاتلوا . والجمع باعتبار المعنى ؛ لأن كل طائفة جمع ؛ كقوله :
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا
« 1 » ،
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما
بالنصح والدعاء إلى حكم اللّه تعالى ،
فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى
ولم تتأثر بالنصيحة
فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ
؛ ترجع
إِلى أَمْرِ اللَّهِ
؛ إلى حكمه ، أو : إلى ما أمر به من الصلح وزوال الشحناء ، والفيء : الرجوع ، وقد يسمى به الظل والغنيمة ، لأن الظل يرجع بعد نسخ الشمس ، والغنيمة ترجع من أيدي الكفار إلى المسلمين . وحكم الفئة الباغية : وجوب قتالها ، فإذا كفّت عن القتال أيديها تركت . قال ابن جزى : وأمر اللّه في هذه الآية بقتال الفئة الباغية ؛ وذلك إذا تبيّن أنها باغية ، فأما الفتن التي تقع بين المسلمين ؛ فاختلف العلماء فيها على قولين ، أحدهما : أنه لا يجوز النّهوض ، في شئ منها ولا القتال ، وهذا مذهب سعد بن أبي وقاص ، وأبي ذر ، وجماعة من الصحابة ، وحجتهم حديث : « قتال المسلم كفر » « 2 » ، وحديث : الأمر بكسر السيوف في الفتن ، والقول الثاني : النهوض فيها واجب ، لتكف الفئة الباغية ، وهذا مذهب علىّ ، وعائشة ، وطلحة ، وأكثر الصحابة ، وهو مذهب مالك وغيره من الفقهاء ، وحجتهم هذه الآية . فإذا فرّعنا على القول الأول ، فإن دخل داخل على من اعتزل الفرقتين منزله يريد نفسه أو ماله فعليه دفعه ، وإن أدّى ذلك إلى قتله ؛ لحديث : « من قتل دون نفسه وماله فهو شهيد » « 3 » . وإذا فرّعنا على الثاني ، فاختلف ؛ مع من يكون النّهوض من الفئتين ؟ فقيل : مع السواد الأعظم ، وقيل : مع العلماء ، وقيل : مع من يرى أنّ الحق معه . ه . قلت : إذا وقعت الحرب بين القبائل فمن تعدّت تربتها إلى تربة غيرها فهي باغية ، يجب كفّها ، وإذا وقعت بين الحدود ؛ فالمشهور : النهوض ، ثم يقع السؤال عن السبب ؛ فمن ظهر ظلمه وجب كفّه ، فإن أشكل الأمر ، فالإمساك عن القتال أسلم . واللّه تعالى أعلم .
فَإِنْ فاءَتْ
عن البغي ، وأقلعت عن القتال ؛
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ
؛ بفصل ما بينهما على حكم اللّه تعالى ، ولا تكتفوا بمجرد متاركتهما ؛ لئلا يكون بينهما قتال في وقت آخر ، وتقييد الإصلاح بالعدل لأنه مظنة الحيف لوقوعه بعد المقاتلة ، وقد أكد ذلك بقوله :
وَأَقْسِطُوا
أي : واعدلوا في كلّ ما تأتون وما تذرون ،
هامش
( 1 ) من الآية 19 من سورة الحج . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ، ( 1 / 178 ) والترمذي في ( الإيمان ، باب سباب المؤمن فسوق ، ح 2634 ) والنّسائى في ( تحريم الدم ، باب قتال المسلم ) من حديث ابن مسعود رضي اللّه عنه . ( 3 ) أخرجه البخاري في ( المظالم ، باب من قاتل دون ماله ح 2480 ) من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، بلفظ : « من قتل دون ماله فهو شهيد » . وأخرجه أبو داود في ( السنة ، باب في قتال اللصوص ح 4772 ) والترمذي في ( الديات ، باب من قاتل دون ماله ح 1421 ) وكذا ابن ماجة والنّسائى ، من حديث سعيد بن زيد ، بلفظ : « من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله فهو شهيد » .