تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
ابن حصن ، فهربوا وتركوا عيالهم ، فسباهم عيينة ، ثم قدم رجالهم يفدون الذراري ، فلما رأتهم الذرارىّ أجهشوا إلى آبائهم يبكون ، فعجلوا أن يخرج إليهم النّبى صلّى اللّه عليه وسلم ، فنادوه حتى أيقظوه من نومه ، فخرج إليهم ، فأطلق النّصف وفادى النصف « 1 » ،
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
؛ بليغ المغفرة والرّحمة واسعهما ، فلن يضيق ساحتهما عن هؤلاء إن تابوا وأصلحوا . الإشارة : من آداب المريد ألّا يوقظ شيخه من نومه ، ولو بقي ألف سنة ينتظره ، وألّا يطلب خروجه إليه حتى يخرج بنفسه ، وألّا يقف قبالة باب حجرته لئلا يرى بعض محارمه . ومن آدابه أيضا : ألا يبيت معه في مسكن واحد ، وألّا يأكل معه ، إلا أن يعزم عليه ، وألّا يجلس على فراشه أو سجّادته إلا بأمره ، وإذا تعارض الأمر والأدب ، فهل يقدّم الأمر أو الأدب ؟ خلاف ، وقد تقدم في صلح الحديبية : أن سيدنا عليا - كرم اللّه وجهه - قدّم الأدب على الأمر ، حين قال له صلّى اللّه عليه وسلم : « امح اسم رسول اللّه من الصحيفة » « 2 » ، فأبى ، وقال : « واللّه لا أمحوك أبدا » . واللّه تعالى أعلم . ومن جملة الأدب : التأنى في الأمور وعدم العجلة ، كما أبان ذلك بقوله تعالى :

[ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 6 إلى 8 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ( 6 ) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 8 ) يقول الحق جل جلاله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ
. نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وكان من فضلاء الصحابة - رضي اللّه عنه - بعثه النّبى صلّى اللّه عليه وسلم إلى بنى المصطلق ، بعد الوقعة مصدّقا ، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية ، فخرجوا يتلقّونه ، تعظيما لأمر النّبى صلّى اللّه عليه وسلم ، فظن أنهم مقاتلوه ؛ فرجع ، وقال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قد ارتدوا ومنعوا الزكاة ، فهمّ صلّى اللّه عليه وسلم أن يغزوهم ، ثم أتوا النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلم وأخبروه أنهم إنما خرجوا يتلقّونه تكرمة ؛
هامش
( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 7 / 337 ) . ( 2 ) راجع تفسير الآية 26 من سورة الفتح .