تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى
أي : شرحها ووسعها ،
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
أي : مغفرة لذنوبهم ، وأجر عظيم : نعيم الجنان . الإشارة : على هذه الآية والتي بعدها اعتمد الصوفية فيما دوّنوه من آداب المريد مع الشيخ ، وهي كثيرة أفردت بالتأليف ، وقد جمع شيخنا البوزيدى الحسنى رضي اللّه عنه كتابا جليلا جمع فيه من الآداب ما لم يوجد في غيره ، فيجب على كلّ مريد طالب للوصول مطالعته والعمل بما فيه . والذي يؤخذ من الآية : أنه لا يتقدم بين يدي شيخه بالكلام ، لا سيما إذا سأله أحد ، فمن الفضول القبيح أن يسبق شيخه بالجواب ، فإنّ السائل لا يرضى بجواب غير الشيخ ، مع ما فيه من إظهار علمه ، وإشهار شأنه ، والتقدم على شيخه . ومن ذلك أيضا : ألّا يقطع أمرا دون مشورته ، ما دام تحت الحجرية ، وألّا يتقدم أمامه في المشي إلا بإذنه ، وأن يغضّ صوته عند حضوره ، بل لا يتكلم إلا أن يأذن له في الكلام ، ويكون بخفض صوت وتعظيم . قلت : وما زالت أشياخنا تأمرنا بالتكلم عند المذاكرة ؛ إذ بالكلام تعرف أحوال الرّجال ، وسمعت شيخ شيخنا ، مولاي العربي الدرقاوى الحسنى رضي اللّه عنه يقول : حكّونا في المذاكرة ؛ ليظهر العلم ، وكونوا معنا كما قال القائل : حك لي نربل لك ، لا كما قال القائل : سفّج لي نعسل لك . ه . لكن يكون بحثه مع الشيخ على وجه الاسترشاد والاستعلام ، من غير معارضة ولا جدال ، وإلا فالسكوت أسلم . قال القشيري :
لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
: لا تعملوا في أمر الدين من ذات أنفسكم شيئا ، وقّفوا حيثما وقفتم ، وافعلوا ما به أمرتم ، أي : اعملوا بالشرع لا بالطبع في طلب الحق ، وكونوا من أصحاب الاقتداء والاتباع ، لا من أرباب الابتداء أو الابتداع . وقال في قوله تعالى :
لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ . . .
الآية ، يشير إلى أنه من شرط المؤمن : ألا يرى رأيه وعقله واختياره فوق رأى النّبى والشيخ ، ويكون مستسلما لرأيه ، ويحفظ الأدب في خدمته وصحبته ،
وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ
أي : لا تخاطبوه كخطاب بعضكم لبعض ، بل خاطبوه بالتعظيم والتبجيل ، ولا تنظروا إليه بالعين التي تنظرون إلى أمثالكم ، وإنه لحسن خلقه قد يلاعبكم ، فلا تنبسطوا معه ، متجاسرين عليه بما يعاشركم من خلقه ، ولا تبدأوه بحديث حتى يفاتحكم ، أن تحبط أعمالكم بسوء أدبكم ، وأنتم لا تشعرون . إنّ الذين يغضون أصواتهم عند رسول اللّه وعند شيخه أولئك الذين امتحن اللّه قلوبهم للتقوى ، أي : انتزع عنها حبّ الشهوات ، وصفّاها من دنس سوء الأخلاق ، وتخلقت بمكارم الأخلاق ، حتى انسلخت من عادات البشرية « 1 » . ه .
هامش
( 1 ) بالمعنى