تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
باعتبار المعنى ، لأنه عام ، وقوله :
إِلَّا مَنْ رَحِمَ
؛ بدل من الواو في « ينصرون » ، أي : لا يمنع من العذاب إلا من رحم اللّه ، بالعفو عنه ، أو بقبول الشفاعة فيه ، أو : منصوب على الاستثناء المنقطع ، أو : مرفوع على الابتداء ، أي : لكن من رحم
اللَّهُ
فيغنى عنه
إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ
؛ الغالب ، الذي لا ينصر من أراد تعذيبه ،
الرَّحِيمُ
لمن أراد أن يرحمه .
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ
، هي على صورة شجرة الدنيا ، لكنها من النّار ، والزقوم تمرها ؛ وهو كلّ طعام ثقيل . روى : أنها لما نزلت ، جمع أبو جهل عجوة وزبدا ، وقال لأصحابه : تزقموا ، فهذا هو الزقوم ، وهو طعامي الذي حدّث به محمد « 1 » ، قصد بذلك المغالطة والتلبيس على الجهلة . أي : إن ثمر شجرة الزقوم هو
طَعامُ الْأَثِيمِ
أي : الكثير الإثم ، وهو الكافر ؛ لدلالة ما قبله وما بعده عليه . وقيل : نزلت في أبى جهل ، ثم تعم . وكان أبو الدرداء يقرئ رجلا ، فكان أبو الدرداء يقول : طعام الأثيم ، والرّجل يقول : طعام اليتيم ، فكرر عليه ، فلم يفهم منه ؛ فقال : « طعام الفاجر يا هذا « 2 » » . قال النّسفى : وبهذا يستدل على أن إبدال الكلمة مكان الكلمة جائز ، إذا كانت مؤدّية معناها ، ومنه أجاز أبو حنيفة رضي اللّه عنه القراءة بالفارسية ، بشرط أن يؤدى القارئ المعاني كلها ، من غير أن يخرم منها شيئا « 3 » . انظر بقيته .
كَالْمُهْلِ
، وهو دردّىّ الزيت « 4 » ، أو : ما يمهل في النّار فيذوب ، من نحاس وغيره ،
يَغْلِي فِي الْبُطُونِ
؛ من قرأه بالغيب « 5 » رده للمهل ، أو للطعام ، ومن قرأه بالتاء رده للشجرة ،
كَغَلْيِ الْحَمِيمِ
؛ الماء الحار الذي انتهى غليانه ، أي : غليان كغلى الحميم ، فالكاف في محل نصب ، ثم يقال للزبانية :
خُذُوهُ
أي : الأثيم
فَاعْتِلُوهُ
أي : جروه ، فالعتل : الأخذ بمجامع الشيء والسّوق بالعنف والقهر ، يقال : عتل يعتل بالضم والكسر ، أي : جروه
إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ
؛ وسطها ومعظمها .
هامش
( 1 ) أخرج سعيد بن منصور عن أبي مالك قال : « إن أبا جهل كان يأتي بالتمر والزبد ، فيقول : تزقموا بهذا الزقوم الذي يعدكم به محمد ، فنزلت :إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ» انظر الدر المنثور ( 5 / 752 ) . ( 2 ) أخرجه الحاكم ( 2 / 451 ) « وصحّحه وأقره الذهبي » والطبري ( 25 / 131 ) وزاد السيوطي عزوه في الدر ( 5 / 753 ) لعبد الرّزاق وعبد بن حميد وابن المنذر ، عن همام بن الحارث . ( 3 ) قال أحمد بن المنير الإسكندرى في الانتصاف : لا دليل فيه لذلك ، وقول أبى الدرداء محمول على إيضاح المعنى ، ليكون وضوح المعنى عند المتعلم عونا على أن يأتي بالقراءة كما أنزلت ، وعلى هذا حمله القاضي أبو بكر في الانتصار . ( حاشية الكشاف 4 / 281 ) . وانظر أيضا : تفسير القرطبي 7 / 6154 ) . ( 4 ) الدردي : ما رسب أسفل الزيت ونحوه . ( 5 ) قرأ ابن كثير وحفص : ( يغلى ) بالياء على التذكير ، والباقون « تغلى » بالتأنيث . انظر : الإتحاف ( 2 / 464 ) .