تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
وذكر الزجاج وابن أبي الدنيا : أنه حفر قبر بصنعاء في الإسلام ، فوجد فيه امرأتان ، وعند رؤوسهما لوح من فضة ، مكتوب فيه بالذهب اسمهما ، وأنهما بنتا تبع ، تشهدان ألا إله إلا اللّه ، ولا تشركان به شيئا ، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما . ه « 1 » . ويقال لملوك اليمن : التبابعة ؛ لأنهم يتبعون ، ويقال لهم : الأقيال لأنهم يتقيلون . ه .
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
: عطف على « قوم تبع » ، والمراد بهم عاد وثمود ، وأضرابهم من كلّ جبار عنيد ، أولى بأس شديد ،
أَهْلَكْناهُمْ
بأنواع من العذاب
إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ
، تعليل لإهلاكهم ، ليعلم أن أولئك حيث أهلكوا بسبب إجرامهم مع ما كانوا عليه من غاية القوة والشدة ، فكان مهلك هؤلاء - وهم شركاؤهم في الإجرام ، مع كونهم أضعف منهم في الشدة والقوة - أولى . قال الطيبي : لما أنكر المشركون الحشر ، بقولهم : ( إن هي إلا موتتنا الأولى ) وبّخهم بقوله :
أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ
إيذانا بأن هذا الإنكار ليس عن حجة قاطعة ودليل ظاهر ، بل عن مجرد حب العاجلة ، والتمتع بملاذ الدنيا ، والاغترار بالمال والمآل والقوة والمنعة ، أي : كما فعل بمن سلك قبلهم من الفراعنة والتبابعة حتى هلكوا ، كذلك يفعل بهؤلاء إن لم يرتدعوا . ثم قرر أن الحشر لا بد منه بقوله :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما
أي : بين الجنسين ،
لاعِبِينَ
؛ لاهين من غير أن يكون في خلقهما غرض صحيح ، وغاية حميدة ، جلّ جناب الجلال عن ذلك ،
ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
أي : ما خلقناهما ملتبسا بشئ من الأشياء إلا ملتبسا بالحق ، أو : ما خلقناهما بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق ، الذي هو الإيمان والطاعة في الدنيا ، والبعث والجزاء في العقبى . قال الطيبي : وقد سبق مرارا : أنه ما خلقهما إلا ليوحّد ويعبد ، ثم لا بد أن يجزى المطيع والعاصي ، وليست هذه دار الجزاء . وقال ابن عرفه : قوله :
إِلَّا بِالْحَقِّ
أي : إلا مصاحبين للدلالة على النّشأة الآخرة ، وهي حق . ه .
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
أنهن خلقن لذلك ، بل عبثا ، تعالى اللّه عن ذلك . الإشارة : كانت الجاهلية تنكر البعث الحسى ، والجهلة اليوم ينكرون البعث المعنوي ، ويقولون : إن هي إلا موتتنا الأولى ، أي : موت قلوبنا وأرواحنا بالجهل والغفلة ، فكيف يكون الرّجل منهمكا في المعاصي ، ميت القلب ، ثم ينقذه اللّه ويحييه بمعرفته ، حتى يصير وليا من أوليائه « من استغرب أن ينقذه اللّه من شهوته ، وأن يخرجه من
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي ( 7 / 6151 ) .