تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ
، المصبوب هو الحميم ، لا عذابه ، إلا أنه إذا صب عليه الحميم ، فقد صب عليه عذابه وشدته : والأصل : ثم صبوا فوق رأسه عذابا هو الحميم ، ثم أضيف العذاب إلى الحميم ؛ للمبالغة ، وزيد « من » للدلالة على أن المصبوب بعض هذا النّوع ، ويقال له :
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
على سبيل الهزؤ والتهكم ، روى أن أبا جهل قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ما بين جبليها أعز ولا أكرم منى ، فو اللّه لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا « 1 » ، فتقول له الزبانية هذا على طريق الاستهزاء والتوبيخ . وقرأ الكسائي : « أنك » بالفتح « 2 » ، أي : لأنك أنت العزيز في قومك ، الكريم في زعمك .
إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ
؛ تشكّون ، وتمارون فيه ، والجمع باعتبار المعنى ؛ لأن المراد جنس الأثيم . الإشارة : يوم الفصل هو اليوم الذي يقع فيه الانفصال بين درجة المقربين ، ومقام عامة أهل اليمين ، فيرتفع المقربون ، ويسقط الغافلون ، فلا يغنى صاحب عن صاحب شيئا ، ولا هم ينصرون من السقوط عن مراتب الرّجال ، فلا ينفع حينئذ إلا ما سلف من صالح الأعمال ، إلا من رحم اللّه ، ممن تعلق بالمشايخ الكبار ، من المريدين ، فإنهم يرتفعون معهم بشفاعتهم . وشجرة الزقوم هي شجرة المعصية ؛ فإنها تغلى في البطون ، وتعوق عن الوصول ، فقد قالوا : من أكل الحرام عصى اللّه ، أحبّ أم كره ، ومن أكل الحلال أطاع اللّه ، أحبّ أم كره ، فيقال : خذوه فادفعوه إلى سواء الجحيم ، وهي نار القطيعة والبعد ، ثم صبوا فوق رأسه من هموم الدنيا ، وشغب الخوض والخواطر ، ذق إنك أنت العزيز الكريم ، ولو كنت ذليلا خاملا لنلت العز والكرامة . وباللّه التوفيق . ثم شفع بضدهم ، فقال :

[ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 51 إلى 59 ]

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ ( 51 ) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 52 ) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ ( 53 ) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 54 ) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ ( 55 ) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 56 ) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 57 ) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 58 ) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ ( 59 )
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري ( 25 / 134 ) وعزاه السيوطي في الدر ( 5 / 753 ) لعبد الرّزّاق ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، عن قتادة . ( 2 ) على العلة ، وقرأ الباقون بكسرها . . انظر الاتحاف 2 / 464 .