تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ
، بضم الميم « 1 » : مصدر ، أي : في إقامة حسنة ، وبالفتح : اسم مكان ، أي : في مكان كريم ، وأصل المقام ، بالفتح : موضع القيام ، ثم عمم واستعمل في جميع الأمكنة ، حتى قيل لموضع القعود : مقام ، وإن لم يقم فيه أصلا ، ويقال : كنا في مقام فلان ، أي : مجلسه ، فهو من الخاص الذي وقع مستعملا في معنى العموم ، وقوله :
أَمِينٍ
: وصف له ، أي : يأمن صاحبه الآفات والانتقال عنه ، وهو من الأمن ضد الخيانة ، وصف به المكان مجازا ، لأن المكان المخيف يخون صاحبه بما يلقى فيه من المكاره . وقوله :
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
: بدل من « مقام » جئ به دلالة على نزاهته واشتماله على طيبات المآكل والمشارب ،
يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ
، وهو ما رقّ من الديباج ،
وَإِسْتَبْرَقٍ
؛ ما غلظ منه ، وهو معرّب ، والجملة إما حال ، أو استئناف ، حال كونهم
مُتَقابِلِينَ
في مجالسهم ، يستأنس بعضهم ببعض ،
كَذلِكَ
أي : الأمر كذلك ، قيل : المعنى فيه أنه لم يستوف الوصف ، وأنه بمثابة ما لا يحيط به الوصف ، فكأنه قال : الأمر نحو ذلك وما أشبهه ، وليس بعين الوصف وتحققه .
وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ
أي : قرنّاهم وأصحبناهم ، ولذلك عدى بالباء . قال القشيري : وليس في الجنة عقد نكاح ولا طلاق ، بل تمكن الولىّ من هذه الألطاف بهذه الأوصاف ه . والحور : جمع حوراء ، وهي الشديدة سواد العين ، والشديدة بياضها ، والعين : جمع عيناء ، وهي الواسعة العين ، واختلف في أنها نساء الدنيا أو غيرها .
يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ
أي : يطلبون ويأمرون بإحضار ما يشتهونه من الفواكه ، لا يختص بزمان ولامكان ،
آمِنِينَ
من زواله وانقطاعه ، ومن ضرره عند الإكثار منه ، أو : من كلّ ما يسوءهم ،
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ
أصلا ، بل يستمرون على الحياة الأبدية ،
إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى
؛ سوى الموتة الأولى ، التي ذاقوها ، أو : لكن الموتة الأولى قد ذاقوها في الدنيا ، فالاستثناء منقطع ، أو متصل على أن المراد استحالة ذوق الموت إلا إذا كان يمكن ذوق الموتة الأولى حينئذ ، وهو محال ، على نمط قوله :
إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ *
« 2 » .
وَوَقاهُمْ
ربهم
عَذابَ الْجَحِيمِ ،
فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ
أي : أعطوا ذلك كله عطاء وتفضلا منه - تعالى ؛ إذ لا يجب عليه شئ ، فهو مفعول له ، أو مصدر مؤكد لما قبله ، لأن قوله :
وَقاهُمْ
في معنى تفضل عليهم ،
ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
الذي لا فوز وراءه ؛ إذ هو خلاص من جميع المكاره ، ونيل لكلّ المطالب .
هامش
( 1 ) قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر بضم الميم الأولى في « مقام » بمعنى الإقامة ، وقرأ الباقون بفتحها ، موضع الإقامة . ( 2 ) من الآية 22 من سورة النّساء .