تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
فلما قرأها المتوكّل ارتاع ، ثم دعا صاحب الدير ، فسأله : من كتبها ؟ فقال : لا علم لي ، وانصرف ه . ومن هذا القبيل ما وجد مكتوبا على باب « كافور الإخشيدى » بمصر :
انظر إلى عبر الأيّام ما صنعت * أفنت أناسا بها كانوا وما فنيت
ديارهم ضحكت أيّام دولتهم * فإذا خلت منهم صاحتهم وبكت
ومن هذا أيضا ما وجد على قصر « ذي يزن » مكتوبا :
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرّجال فلم تمنعهم القلل
واستنزلوا من أعالي عز معقلهم * فأسكنوا حفرا ، يا بئس ما نزلوا
أين الوجوه التي كانت محجّبة * من دونها تضرب الأستار والكلل ؟
فأفصح القبر عنهم حين سائلهم * تلك الوجوه عليها الدود تقتبل
قد طال ما أكلوا دهرا وما شربوا * فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
وحاصل الدنيا ما قال الشاعر :
ألا إنّما الدنيا كأحلام نائم * وما خير عيش لا يكون بدائم « 1 » ؟ !
تأمّل إذا ما نلت بالأمس لذّة * فأفينتها هل أنت إلا كحالم ؟ !
هذه فكرة اعتبار ، وأما فكرة استبصار ، فما ثمّ إلا تصرفات الحق ، ومظاهر أسرار ذاته ، وأنوار صفاته ، ظهرت في عالم الحكمة بالأشكال والرّسوم ، وأما في عالم القدرة فما ثمّ إلا الحي القيوم .
تجلّى حبيبي في مرائي جماله * ففي كلّ مرئىّ للحبيب طلائع
فلمّا تبدّى حسنه متنوّعا * تسمّى بأسماء فهن مطالع « 2 »
وقوله تعالى :
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ
يفهم منه : أن من عظم قدره تبكى على فقده السماوات والأرض ومن فيهن ، في عالم الحس ، الذي هو عالم الأشباح ، وتفرح به أهل السماوات السبع في عالم الأرواح ؛
هامش
( 1 ) ورد : وكلّ نعيم فيها ليس بدائم . ( 2 ) البيتان للجيلى . انظر : النادرات العينية / 69 .