تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ
أي : ما تركبونه ، يقال : ركبوا في الفلك ، وركبوا الأنعام ، فغلب المتعدّى بغير واسطة ؛ لقوته [ على ] « 1 » المتعدى بواسطة ، فقيل : تركبونه .
لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ
: ولتستعلوا على ظهور ما تركبونه من الفلك والأنعام ،
ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ
؛ تذكروها بقلوبكم ، معترفين بها بألسنتكم ، مستعظمين لها ، ثم تحمدوا عليها بألسنتكم ،
وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا
أي : ذلّل لنا هذا المركوب ، متعجبين من ذلك
وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
؛ مطيقين . يقال : أقرن الشيء : إذا أطاقه ، وأصله : وجده قرينه ؛ لأن الصعب لا يكون قرينا للضعيف إلا إذا ذللّه اللّه وسهّله ،
وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ
أي : راجعون . وفيه إيذان بأن حق الرّاكب أن يذكر عند ركوبه مركب الدنيا ، آخر مركبه منها ، وهو : الجنازة ؛ فيبنى أموره في مسيره على تلك الملاحظة ، حتى لا يخطر بباله شئ من زينة الدنيا ، وملاهيها وأشغالها . وعن النّبى صلّى اللّه عليه وسلم « أنه كان إذا وضع رجله في الرّكاب ، قال : « بسم اللّه » فإذا استوى على الدابة قال : الحمد للّه الذي سخر لنا هذا . . . إلى :
لَمُنْقَلِبُونَ
، ثم كبّر « ثلاثا ، وهلل ثلاثا ، ثم قال : « اللهم اغفر لي . . » « 2 » ، وحكى أن قوما ركبوا ، وقالوا :
« سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا . . .
الآية ، وفيهم رجل على ناقة لا تتحرك هزالا ، فقال : إني مقرن لهذه - أي مطيق - فسقط منها لوثبتها ، واندقت عنقه « 3 » . وينبغي ألا يكون ركوب العاقل للشهرة والتلذذ ، بل للاعتبار ، فيحمد اللّه ويشكره على ما أولاه من نعمه ، وسخّر له من أنعامه . الإشارة : قد اتفقت الملل كلها على وجود الصانع ، إلا من لا عبرة به من الفلاسفة ، وإنما كفر من كفر بالإشراك ، أو : بوصف الحق على غير ما هو عليه ، أو : بجحد الرّسول . وقد تواطأت الأدلة العقلية والسمعية على وجود الحق وظهوره ، بظهور آثار قدرته ، والصفة لا تفارق الموصوف ، فدلّ بوجود آثاره على وجود أسمائه ، وبوجود أسمائه ، على وجود أوصافه ، وبثبوت أوصافه على وجود ذاته . فأهل السلوك يكشف لهم أولا عن وجود آثاره ، ثم عن أسمائه ، ثم عن صفاته ، ثم عن شهود ذاته . وأهل الجذب يكشف لهم أولا عن ذاته ، ثم عن أوصافه ، ثم عن أسمائه ، ثم عن آثاره ، فربما التقيا في الطريق ، هذا في ترقيه ، وهذا في تدليه ، كما في الحكم .
هامش
( 1 ) في الأصول ( في ) والمثبت من تفسير النّسفى . ( 2 ) أخرجه ، مطولا ، أبو داود في ( الجهاد ، باب ما يقول الرّجل إذا ركب 3 / 77 ، ح 2602 ) والترمذي في ( الدعوات ، باب ما يقول إذا ركب دابة 5 / 467 ح 3446 ) . وقال : [ حديث حسن صحيح ] . وابن حبان ( الأذكار ، باب ما يقول إذا ركب الدابة ح 2370 - 2381 . ص 591 موارد ) والحاكم ( 2 / 91 ) وصحّحه على شرط مسلم . من حديث سيدنا على رضي اللّه عنه وكرم وجهه . ( 3 ) عزاه السيوطي في الدر المنثور ( 5 / 717 ) لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، عن سليمان بن يسار .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 237 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان