تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
ولئن سألتهم عن خالق السماوات والأرض ليعترفن به ، وقد جعلوا له سبحانه بألسنتهم ، واعتقادهم مع ذلك الاعتراف ، من عباده جزءا . وعبّر بالجزء لمزيد استحالته في حق الواحد الأحد ، من جميع الجهات . وقرأ أبو بكر وحمد بضمتين .
إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ
؛ لجحود للنعمة ، ظاهر الكفران ، مبالغ فيه ؛ لأن نسبة الولد إليه أشنع الكفر . والكفر أصل الكفران كله . ثم ردّ عليهم بقوله :
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ
، الهمزة للإنكار ، تجهيلا [ وتعجيبا ] « 1 » من شأنهم ، حيث ادّعوا أنه اختار لنفسه أخس الأشياء ، ولهم الأعلى ، أي : بل أتخذ لنفسه أخس الصنفين ، واختار لكم أفضلهما ؟ على معنى : هبوا أنكم اجترأتم إضافة جنس الولد إليه سبحانه ، مع استحالته وامتناعه ، أما كان لكم شئ من العقل ، ونبذة من الحياء ، حتى اجترأتم على التفوّه بهذه العظيمة ، الخارقة للمعقول ، من ادعاء أنه تعالى آثركم على نفسه بخير الصنفين وأعلاهما ، وترك له شرهما وأدناهما ؟ . وتنكير « بنات » ، وتعريف « البنين » لما اعتبر فيهما من الحقارة والفخامة . وجملة :
وَأَصْفاكُمْ
: إما عطف على
اتَّخَذَ
، داخل في حكم [ التعجيب ] « 2 » والإنكار ، أو : حال من فاعله ، بإضمار قد ، أو : بدونه ، على الخلاف . والالتفات إلى الخطاب لتأكيد الإجرام وتشديد التوبيخ . ثم قرره بقوله :
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا
أي : وإذا أخبر أحدهم بولادة ما جعل مثلا له سبحانه ، وهي الأنثى ، لأنهم جعلوا الملائكة بنات اللّه ، وجزءا منه ؛ إذ الولد لا بد أن يجانس الوالد ويشابهه .
ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
يعنى : أنهم نسبوا إليه هذا الجنس ، ومن حالهم : أن أحدهم إذا قيل له : قد ولدت لك بنت ، اغتم ، واربدّ وجهه غيظا وتأسفا ، وهو مملوء من الكرب . والظلول : بمعنى الصيرورة ، أي : صار أسود في الغاية من سوء ما بشر به .
أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا
« 3 »
فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ
أي : أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته ، وهو أنه ينشأ في الحلية ، أي : يتربّى في الزينة والتخنث ، وإذا احتاج إلى مجاثاة الخصوم ، ومجاراة الرّجال ، كان غير مبين ، ليس عنده بيان ، ولا يأتي ببرهان ؛ لضعف عقولهن . قال مقاتل : لا تتكلم المرأة إلا وتأتى بالحجة عليها - أي : في الغالب - وفيه : أنه جعل النّشأ في الزينة من المعايب . فعلى الرّجل أن يجتنب ذلك ، له ولأولاده ، ويتزين بلباس التقوى . و « من » منصوب المحل ، أي : أو جعلوا من يربى في الحلية - يعنى البنات - للّه - عز وجل . وقرأ الأخوان وحفص ؛ « ينشأ » ، أي : يربّى .
هامش
( 1 ) في الأصول [ وتعجبا ] . ( 2 ) في الأصول [ التعجب ] . ( 3 ) قرأ حفص وحمزة والكسائي : « ينشأ » بضم الياء ، وفتح النّون ، وتشديد الشين ، مضارع « نشّأ » معدّى بالتضعيف ، مبنيا للمفعول . وقرأ الباقون : بفتح الياء ، وسكون النّون : وتخفيف الشين من « نشأ » لازم ، مبنى للفاعل . انظر الإتحاف ( 2 / 454 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 239 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان